تحقيقات وملفات

ورشة تصنع المآذن بيد الحب والعرق: حكاية عائلة تحفظ سر “الهلال” منذ ثمانين عامًا

داخل أزقة ضيقة تختبئ فيها الحرف اليدوية التي تواجه خطر الاندثار، تقف ورشة صغيرة لكنها شامخة بتاريخها الطويل، كأنها بيت من بيوت الزمن القديم أبى أن يغادر الحياة. جدرانها المشققة تنطق بذكريات أجيال مضت، وسقفها المتهالك يتسلل منه الضوء بخجل، ليضيء مسرحًا صاخبًا بطرقات المطارق ورنين المعادن، حيث يلتقي العرق بالشغف في معزوفة لا يخطئها السمع. هنا، في هذه البقعة التي تتنفس التاريخ، تُصنع المآذن التي ستعلو قباب المساجد، وتُصاغ الأهلة التي ستعانق السماء.

هي ورشة عبد النبي هنداوي، الرجل السبعيني الذي ورث المهنة عن أبيه، وحمل شغفها كأمانة، ليورثها بدوره إلى ابنه محمد، فتتحول الحرفة من مجرد عمل يومي إلى ملحمة عائلية امتدت لأكثر من ثمانين عامًا.


إرث من الضوء والنحاس

حين يتحدث عبد النبي هنداوي عن بداياته، يضيء وجهه بذكريات الطفولة التي قادته إلى هذا الطريق. لم يدخل المهنة من باب المصادفة، بل تسلل إليها بعينيه أولًا، حين كان صبيًا صغيرًا يقضي إجازته المدرسية في ورشة والده. يجلس في ركن هادئ يراقب الصنّاع وهم يشكلون المعدن كمن يشاهد سحرًا حيًا، يلتقط تفاصيلهم، ويعيد رسمها في ذهنه حتى صارت جزءًا منه.
يقول بابتسامة ممتزجة بالحنين:
“كنت باجي مع والدي وأنا صغير.. أقعد أبص للصنايعية وأتابع شغلهم، لحد ما ارتبطت بالمهنة، حبيتها وحاولت أتعلمها بنفسي. في البداية كنت أُخطئ، لكن مع الوقت اتعلمت مراحل التصنيع كلها، وبدأت أصنع بيدي أهلة المآذن.”

لم يكن عبد النبي مجرد صانع عادي، بل رجلًا جعل من الحرفة هوية وحياة. يقول وكأنه يختصر سنوات طويلة:
“المهنة مش بس شغل.. دي عشق ورزق، وصبر علمنا معنى الحياة.”


المهنة التي تأبى الموت

الحرفة التي ورثها عبد النبي عن أبيه لم تتغير كثيرًا، لا تزال تعتمد على الجهد البشري أكثر من الآلة. في الورشة، يطرق العاملون النحاس والألومنيوم بأيدٍ صلبة، كأنهم يطرقون الزمن نفسه ليعيدوا تشكيله. تبدأ المئذنة من “السوارة” ثم “الكورة” فالقمرة، وكل جزء يحتاج إلى صبر ودقة وحرفية عالية.

يشرح عبد النبي تفاصيل عمله قائلًا:
“المئذنة بتتعمل يدويًا جوه الورشة، بتبدأ بقاعدة وكورة، وبنزود الكور على حسب الطول المطلوب. آخر حاجة بتكون القمرة. الخامات اللي بنشتغل بيها يا ألومنيوم يا نحاس. الألومنيوم رخيص لكن عمره قصير، إنما النحاس غالي وعمره طويل، وبيفضل محافظ على لمعانه.”

هذه التفاصيل الصغيرة تكشف سرًا كبيرًا: أن المهنة ليست مجرد صناعة، بل فنًّا دقيقًا قائمًا على الصبر.


الأب والابن.. كتفًا إلى كتف

ورغم أن السنوات تركت أثرها على جسد عبد النبي، إلا أن روحه لا تزال معلقة بالمطرقة والمعدن. ولأن الحرفة أمانة، فقد سلّم شغفه لابنه محمد، الذي التقط الخيط مبكرًا.
يقول عبد النبي بفخر:
“لما كبرت، ابني نزل معايا الورشة. علمته المهنة، ومع الوقت بقى يلحم النحاس والألومنيوم، ويقفّل معايا أجزاء المآذن. الحمد لله دلوقتي بقى شاطر، وبيطور من شغله كمان.”

أما محمد، فيحكي قصته مع المهنة التي صارت حياته:
“أنا في الصنعة دي من وأنا عندي 17 سنة.. كنت باجي أقف مع والدي وأتعلم منه. المهنة دي مش غريبة عليا، دي شغلانة أبويا وجدي. حبيتها واتعلمتها برضا، وكل مرحلة فيها عشتها بنفسي.”

الابن لا يرى نفسه مجرد صانع، بل وريثًا لرسالة ممتدة. يبتسم وهو يتذكر البدايات:
“جدي كان بيديني 20 جنيه في الأسبوع وأنا بتعلم.. الناس زمان كانوا طيبين وصبورين، بيعلمونا من غير مقابل. دلوقتي الدنيا اتغيرت، لكن إحنا لسه محافظين على اللي ورثناه.”


المشقة عنوان البقاء

المهنة ليست سهلة كما تبدو للعين. كل قطعة تصاغ تعني ساعات من الطرق والتسخين والتلميع. الجسد يتعب والظهر يئن، لكن القلب يظل راضيًا. يقول عبد النبي بنبرة امتزج فيها الفخر بالتعب:
“المهنة صعبة جدًا، بتأثر على الأذرع وفقرات الظهر والنظر.. الشباب مش عايز يتعلمها، عشان كده ممكن تنقرض. لكنها رزق بالحلال، وبتعلمنا الصبر.”

محمد يضيف من جانبه:
“إحنا بنشتغل من 8 الصبح لحد 6 المغرب. كل واحد فينا ليه دور: في حد بيطرق، وحد بيقفّل القمر، وحد بيقفّل الهلال. كله يدوي، من غير ماكينات. الشغل مرهق لكن ممتع، لأنه فن بجد.”


المآذن.. من الورشة إلى قباب المساجد

حين تكتمل القطع، تتحول الورشة إلى معرض صغير للمآذن النحاسية. بعضها صغير للديكور الداخلي، وبعضها ضخم يصل طوله إلى ستة أمتار ليزين قباب المساجد الكبرى.
يقول محمد وهو يشير إلى المآذن المتراصة:
“المقاسات بتبدأ من متر لحد ستة متر.. وفيه أنواع كتير: ألومنيوم، نحاس، استالس، ونحاس أحمر وأصفر. أحيانًا بيطلبوا صاج بس قليل. بعد ما نخلص، الشغل بيروح للمعارض أو للمساجد في الصعيد وشارع المعز.”

هكذا تسافر القطع من الورشة الصغيرة لتصبح جزءًا من ذاكرة المدن، شاهدة على جهد رجال لا يعرفهم أحد.


بين الخوف والأمل

رغم صعوبة المهنة وقلة من يمارسها، فإن عبد النبي وابنه لا يزالان مؤمنين بأنها ستبقى. يقول محمد بثقة:
“شغلنا اليدوي يمتاز بالجودة والإتقان. مهما الزمن اتغير، الحرفة دي هتفضل موجودة، لأن قيمتها عالية والناس بتثق في اللي معمول بإيدينا.”

أما عبد النبي، فيختم حديثه بابتسامة راضية:
“لو والدي عايش كان هيفرح باللي وصلنا له.. إحنا حافظنا على المهنة، وصناعتنا لسه معروفة في السوق. الشغل قليل لكن كله بالحلال.. وده أهم من أي حاجة.”


صوت المطارق لا ينطفئ

في نهاية اليوم، حين يخفت ضوء الشمس ويهدأ صوت الورشة، تظل القطع المعدنية شاهدة على رحلة طويلة من الصبر والإبداع. هنا لا تصنع المآذن فحسب، بل يُصنع معنى أعمق: أن الإنسان حين يضع قلبه في عمله، يتحول المعدن البارد إلى قطعة نابضة بالحياة.

وربما حين ينظر المصلون إلى الهلال المتلألئ فوق مئذنة مسجد، لن يعرفوا أن خلفه قصة عائلة أفنت أعمارها في صياغته. لكنه سيظل هناك، شامخًا، يحرس السماء، ويحمل في طياته حكاية ورشة صغيرة ما زالت تقاوم الزمن.

305540 ورشة تصنيع المآذن 320067 مآذن المساجد بعد التصنيع 328621 تصنيع أجزاء المئذنة 328979 مآذن المساجد 339297 ورشة التصنيع 343244 أسرة هنداوي صانعة المآذن 361366 عبد النبي هنداوي وابنه محمد 363534 محمد عبد النبي صانع المآذن 381292 أجزاء المئذنة 408459 صناعة مآذن المساجد 427718 تصنيع المآذن 448786 صناعة مآذن المساجد 2 456013 تصنيع الهلال 481461 تصنيع أجزاء المئذنة داخل الورشة 507342 صناعة المئذنة يدويًا

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى