تحظى محافظة المنيا بمكانة خاصة بين محافظات مصر، فهي ليست فقط أرضًا زراعية خصبة أو مركزًا صناعيًا متطورًا، بل هي أيضًا متحف مفتوح يضم بين جنباته إرثًا حضاريًا وإنسانيًا متنوعًا من الفرعوني إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي، مما يجعلها وجهة سياحية فريدة ومقصداً للزائرين من مختلف أنحاء العالم. وعلى امتداد المحافظة من شمالها إلى جنوبها تنتشر مواقع أثرية بارزة مثل تونا الجبل، تل العمارنة، بني حسن، كهف العائلة المقدسة، دير السيدة العذراء، ومدينة البهنسا التي تحتضن شهداء الفتح الإسلامي.
وبين هذه المواقع، تبرز الأشمونين كواحدة من أهم وأغنى المناطق الأثرية، تلك المدينة التي تقع على الضفة الغربية لنهر النيل، على بُعد نحو 8 كيلومترات من مركز ملوي، لتروي قصة حضارة ممتدة عبر آلاف السنين.
مدينة “الثمانية” وعاصمة الحكمة
عرفت الأشمونين قديمًا باسم “خمنو” في العصر الفرعوني، وهو اسم ارتبط باعتقاد كهنة المعبد أن عناصر الكون ثمانية، ثم تحولت التسمية في العصر القبطي إلى “شمنو”، بينما أطلق عليها اليونان “هيرموبوليس” أي مدينة الإله “هرمس”، وهو ما يعكس ارتباطها الوثيق بالإله جحوتي (تحوت)، رب الحكمة والكتابة وحامي العلم والمعرفة عند المصريين القدماء.
كانت الأشمونين عاصمة الإقليم الخامس عشر من أقاليم مصر العليا، المعروف باسم “إقليم الأرنب”، وشغلت مكانة إدارية ودينية بارزة منذ العصور الفرعونية حتى العصر العربي، حيث عرفت حينها باسم “أعمال الأشمونين”.
أكبر الولايات المصرية القديمة
لم تكن الأشمونين مجرد مدينة عابرة في تاريخ مصر، بل كانت من أكبر وأقدم الولايات المصرية، حيث تمتعت بمكانة مميزة منذ الدولة الوسطى وحتى الدولة الحديثة، ثم ظلت حاضرة قوية في العصور البطلمية والرومانية والقبطية، قبل أن يستمر تأثيرها حتى القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد ذكرها المؤرخون بأسماء مختلفة:
-
أونو في العصور الفرعونية.
-
هرمووليت في العصرين البطلمي والروماني.
-
هرموبوليس الكبرى في المصادر اليونانية.
-
أعمال الأشمونين في العصور الإسلامية المبكرة.
مدينة الموتى ومدينة الأحياء
انقسمت الأشمونين قديمًا إلى قسمين رئيسيين:
-
أشمون الغربية: وتعرف بـ”تونا الجبل”، وهي مدينة الموتى التي تضم مقابر ضخمة ونقوشًا فرعونية مهيبة.
-
أشمون الشرقية: مدينة الأحياء، التي كانت مركزًا للنشاط الديني والتجاري والمعيشي، وبها المعابد والأسواق والمباني الإدارية.
هذا المزج بين عالمي الحياة والموت جعل الأشمونين مدينة متكاملة، تجمع بين الجوانب الروحية والدنيوية.
معابد وتماثيل تحكي التاريخ
ما زالت الأشمونين تحتضن حتى اليوم آثارًا مدهشة تكشف عظمة الحضارة المصرية عبر عصور مختلفة، أبرزها:
-
تمثالان ضخمان لقرد البابون، رمز الحكمة عند المصريين القدماء، يقفان شامخين أمام معبد أمنحتب الثالث، وكانا يمثلان الإله جحوتي حامي المعرفة.
-
معبد جحوتي، الذي أطلق عليه “معبد الصدق”، وكان أحد أهم مراكز العبادة والفكر الديني في مصر القديمة.
-
البازيليكا، وهو سوق يوناني قديم أقيم على أنقاض معبد لبطليموس الثالث، ثم تحول لاحقًا إلى كنيسة في العصر القبطي، في صورة نادرة لتداخل الحضارات.
-
معبد فيليب أرهيديوس، شقيق الإسكندر الأكبر.
-
معابد أخرى مثل معبد تحوت، معبد رمسيس الثاني، معبد سيتي الثاني.
-
ملعب البنات، أحد المواقع الفريدة التي لا تزال تثير تساؤلات الباحثين.
عوامل الطبيعة.. وأثرها على المدينة
رغم مرور آلاف السنين وتعرض الأشمونين لتقلبات المناخ والعوامل الطبيعية التي نالت من كثير من آثارها، إلا أن المدينة ما زالت تحتفظ بملامحها التاريخية، وتظل شاهدًا على عظمة حضارة امتزجت فيها الديانة بالعلم، والفن بالعمارة، والتاريخ بالأسطورة.
الأشمونين.. مدينة تستحق أن تُكتشف من جديد
اليوم، ومع ازدياد الاهتمام المصري والعالمي بإحياء السياحة الأثرية، تبقى الأشمونين كنزًا لم ينل حظه بعد من الترويج، فهي مدينة يمكنها أن تقدم للعالم تجربة متفردة، حيث تتجاور المعابد الفرعونية مع الأسواق اليونانية، والكنائس القبطية مع البقايا الإسلامية، في لوحة حضارية نادرة.
زيارة الأشمونين ليست مجرد رحلة إلى موقع أثري، بل هي عبور إلى مدينة جمعت أطياف الحضارات، ووقفت شامخة على ضفاف النيل لتقول إن مصر لا تزال تحمل بين جنباتها ما يبهر العالم ويأسر العقول والقلوب.





