محافظات بلدنا

كشك الشاي الملكي بحدائق المنتزه في الإسكندرية.. تحفة معمارية بُنيت لاستقبال شاي العصارى للملك فاروق.. شيده مصطفى باشا فهمي عام 1936 بالطراز الكلاسيكي.. وتذكرة الدخول للمواطنين 50 جنيهًا.. صور

حدائق المنتزه.. حكاية الأصالة والبحر والقصور الملكية التي لا تنام

في الإسكندرية، حيث تتعانق الأمواج مع عبق التاريخ، تقف حدائق المنتزه كأحد أهم الشواهد الحية على عصرٍ ملكيّ طالما ارتبط بفصول الجمال والرقي. هذا المكان الفريد، الذي يجمع بين بهاء الطبيعة وروعة المعمار، لم يكن مجرد حديقة أو قصر فحسب، بل كان عالمًا كاملًا عاش فيه ملوك مصر، وترددت جدرانه بأصوات الضيوف والساسة والرؤساء من مختلف أنحاء العالم، كما ظل شاهدًا على أرقى لحظات الحكم الملكي قبل أن تتحول ملكيته للدولة ليغدو وجهة سياحية من الطراز الرفيع.

تقع حدائق المنتزه في منطقة المندرة شرق الإسكندرية، وتمتد مباشرة على ساحل البحر المتوسط، حيث تلتقي المساحات الخضراء الواسعة مع الزرقة اللامتناهية للأفق، في لوحة طبيعية نادرة يجعلها الزوار مقصدًا للراحة والتصوير والاستجمام.

واليوم، وبعد عمليات تطوير كبرى جرت خلال السنوات الأخيرة، استعادت حدائق المنتزه بريقها، وأعادت فتح أبوابها أمام الجمهور بروح جديدة تجمع بين الحفاظ على التراث وإضفاء لمسات عصرية راقية. وبين كل تلك التفاصيل يبرز كشك الشاي، ذلك المعلم الملكي الصغير حجمًا والكبير أثرًا، الذي ظلت قصته مغلقة لعقود قبل أن يعود للواجهة من جديد.


كشك الشاي.. مقهى الملك فاروق الخاص الذي عاد للحياة

من بين معالم المنتزه، يظل كشك الشاي واحدًا من أكثر الأماكن التي تحيط بها الأساطير والذكريات. هذا المبنى الذي تحيط به المساحات الخضراء وتلامسه نسائم البحر كان المفضل لدى الملك فاروق، الذي اعتاد الجلوس فيه يوميًا بعد الغداء، ليستمتع بفنجان الشاي وسط هدوء تام لا يقطعه سوى صوت الأمواج.

تاريخ المنشأ والعمارة

تم إنشاء كشك الشاي عام 1938 على يد المعماري المصري مصطفى باشا فهمي، أحد أبرز معماريو مصر في ذلك العصر، والذي صممه بطابع معماري روماني كلاسيكي، تجلى في الأعمدة الرخامية، والواجهات الأربع، والنافورة الواقعة في منتصف القاعة والتي تعد تحفة قائمة بذاتها.

وتتزين النافورة بتماثيل رخامية تمثل فصول السنة الأربعة، لكل منها سيدة تجسد ملامح الفصل الذي تمثله، في عمل فني يجمع بين الحس الأسطوري والفن الأوروبي الذي كان رائجًا داخل قصور العائلة المالكة.

عودة بعد 84 عامًا من الإغلاق

وبعد أن ظل الكشك مغلقًا طوال 84 عامًا، أعادت وزارة الآثار افتتاحه رسميًا عام 2020 بعد ترميم دقيق استغرق سنوات. استعادت خلاله الجدران ألوانها الأصلية، ونُظّفت التماثيل، ورُممت الأرضيات، لتعود تلك التحفة الصغيرة للحياة.

وبات بإمكان الزوار اليوم الدخول مقابل 50 جنيهًا، وقضاء وقت هادئ في مقهى ملكي حقيقي، يتناولون المشروبات والحلوى داخل مبنى لم تطأه أقدام الجمهور لعشرات السنين. كما أصبح المكان نقطة جذب للزوار الذين يتهافتون لالتقاط صور تُظهر التماثيل الرخامية وخلفها البحر المتلألئ.

واللافت أن كشك الشاي ليس فقط موقعًا جميلًا، بل يحمل قيمة تاريخية، فقد شهد خلال فترة الملكية زيارات العديد من الملوك والرؤساء والزعماء الذين كانوا يتناولون الشاي مع الملك فاروق في هذا الركن الهادئ.


قصر المنتزه.. من ملاذ الخديوي إلى تحفة على البحر

ترجع نشأة قصر المنتزه إلى عهد الخديوي عباس حلمي الثاني الذي قرر عام 1892 تشييد هذا القصر في منطقة المندرة، بعدما وقع في عشق طبيعة المكان الذي يمتاز بصفاء الجو وقربه من البحر.

اختار الخديوي الموقع بعناية ليكون مقرًا صيفيًا للعائلة المالكة وصالونات السياسة، فقد كانت الإسكندرية في ذلك الوقت الوجهة الرئيسية للملوك والباشاوات هربًا من حر الصيف في القاهرة.

ومع مرور الزمن، أضاف الملوك الذين تعاقبوا على حكم مصر بصماتهم الخاصة داخل القصر. وكان الملك فؤاد الأول ثم الملك فاروق هما الأكثر تأثيرًا في شكل المنتزه الحالي.

طبيعة لا تُضاهى

تنتشر داخل حدائق المنتزه آلاف أنواع النباتات والأشجار النادرة، بعضها جُلب من دول بعيدة خصيصًا للحديقة الملكية. وتوجد مساحات خضراء تمتد على عشرات الأفدنة، وممرات صخرية، وأكواخ خشبية، وجسور صغيرة تلامس البحر، ما يجعل التجول داخل المنطقة أشبه برحلة عبر حقبة ملكية لا تزال ملامحها محفوظة في كل زاوية.

التكية ومسجد المندرة

وعندما شيّد الخديوي القصر، أنشأ أيضًا تكية خارج أسوار المنتزه في منطقة المندرة، كانت مهمتها توزيع الطعام والمساعدات على المحتاجين، في خطوة جسدت الدور الاجتماعي للعائلة الحاكمة.

كما يرجع إليه الفضل في تجديد مسجد المندرة القائم اليوم في ميدان المندرة بجوار الكورنيش، الذي لا يزال من أبرز معالم المنطقة.


قصر الحرملك.. أسرار الأميرات وغرف الحكم

داخل حدائق المنتزه، يبرز قصر الحرملك الذي بُني عام 1928 ليكون مقرًا خاصًا بالملكات والأميرات ووصيفاتهن. ويعتبر القصر واحدًا من أهم المعالم الملكية في مصر، نظرًا لما يحتويه من مقتنيات أصلية وقاعات تحافظ على رائحة الزمن.

معالم القصر

  • يحتوي الدور الأرضي على مكتب الملك، وغرفة المائدة، وغرفة البلياردو الخاصة بفاروق.

  • أما الدور الأوسط فيضم غرف الوصيفات والخدم الذين كانوا مسؤولين عن إدارة شؤون القصر اليومية.

  • وتبرز غرفة ولي العهد بأرضيتها المصنوعة من الفلّين المضغوط، بهدف منع أي صوت قد يوقظ الطفل أثناء نومه.

داخل القصر أيضًا خزائن زجاجية تضم:

  • سيوفًا ملكية

  • نياشين ذهبية

  • قلادات أهديت للملك في مناسبات وطنية ودولية

جناح الملك والملكة

في الدور العلوي، يوجد الجناح الملكي المخصص للملك وزوجته، وهو من أجمل أجزاء القصر. يتكون من:

  • أرضيات باركيه فاخر

  • سجاد أخضر على الدرجات

  • شرفات مطعمة بزخارف ونقوش داخلية مذهلة تعكس ذوق الأسرة المالكة

هذا الجناح تحديدًا يعطي زواره إحساسًا بأن الزمن توقف، وأن الملك فاروق ووالده فؤاد لا يزالان يتجولان بين غرفه.


حدائق المنتزه اليوم.. تاريخ يتحول إلى تجربة حيّة

بعد عمليات التطوير الأخيرة، أصبحت حدائق المنتزه مقصدًا رئيسيًا لزوار الإسكندرية من داخل مصر وخارجها. فالمنطقة اليوم ليست مجرد حدائق، بل مشروع سياحي–تراثي يجمع بين:

✔ القصور الملكية
✔ الأنشطة الشاطئية
✔ المطاعم والكافيهات الراقية
✔ مسارات للمشي والدراجات
✔ مساحات مفتوحة للتصوير
✔ أماكن تاريخية مفتوحة للجمهور لأول مرة

ولا يزال كشك الشاي، رغم صغر حجمه، يتصدر اهتمام الزوار باعتباره أكثر الأماكن التي تجمع بين الفخامة الملكية والهدوء البحري.


المنتزه.. ذاكرة ملكية لا تنطفئ

هكذا يظل المنتزه ليس مجرد مكان، بل ذاكرة وطن. كل ركن فيه يروي جزءًا من تاريخ مصر الحديثة، وكل مبنى يحمل قصة، وكل شجرة شهدت على لحظات مهمة عاشها ملوك وأمراء وزعماء.

المنتزه اليوم يعيد تقديم نفسه كتحفة معمارية وسياحية، تجمع بين الماضي والحاضر، بين البحر والحديقة، بين الهدوء والحياة… ليبقى واحدًا من أجمل المناطق التي تستحق الزيارة والاستكشاف في الإسكندرية.

47349 118919043 637704936936829 530892844159670805 n 87444 IMG 1915 96580 كشك الشاى بالمنتزة 3 239777 IMG 1695 254321 IMG 1693 2221470 0 3027279080 a5f8410298 202410190734453445

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى