لم يكن صباح بني سويف عادياً، حين تحولت لحظات الرعب على قضبان السكة الحديد إلى مشهد بطولي وإنساني خالص، بطلُه عامل مزلقان اعتاد أن يواجه الخطر كل يوم، لكنه في تلك اللحظة واجهه بجرأة جعلت منه “حارس الأرواح” عند مزلقان كوبري السادات بمدينة بني سويف.
القصة بطلها طارق محمد برس، أو كما يعرفه الأهالي بـ”عم طارق”، عامل المزلقان الذي لم يتردد لحظة واحدة في أن يضع حياته على المحك، ليمنح شاباً متهوراً فرصة جديدة للعيش، بعد أن كان على وشك أن يُسحق أسفل عجلات قطار منطلق بسرعة.
دقائق تتحول إلى ثوانٍ
مع دقات جرس الإنذار المعتادة، بدأ المشهد اليومي الذي يعرفه سكان المنطقة جيداً: صافرات التحذير، غلق المزلقان، وهرولة عم طارق لينبه المارة بعدم العبور حتى يمر القطار.
لكن صباح ذلك اليوم كان مختلفاً.. فقد قرر شاب في لحظة تهور أن يسبق الموت ويعبر القضبان، غير عابئ بصفارات القطار ولا بتحذيرات عامل المزلقان.
يقول عم طارق في حديثه لـ”اليوم السابع”:
“كنت واقف كعادتي، سمعت صوت القطر جاي، بدأت أصفّر وأنبه، لكن لقيت شاب مُصر يعبر بسرعة، كأنه بيجري ورا الموت بنفسه. فضلت أزعّق وأحذره، لكنه ما ردش، وواصل المشي.”
لحظة فارقة
لم يتردد عم طارق، ولم يفكر في نفسه. يصف اللحظة قائلاً:
“حسيت إن ثانية واحدة هتفرق بين الحياة والموت، جسمي سبق تفكيري، جريت بكل قوتي وشديته بعيد عن القضبان، والقطر كان على بُعد لحظة واحدة.”
وبينما كان المارة يصرخون خوفاً، تحولت صيحاتهم سريعاً إلى دعوات: “ربنا يسترها عليك يا عم طارق”.
كان الجميع شاهداً على مشهد إنساني نادر، عامل بسيط يخاطر بحياته ليمنع مأساة محققة.
واجب لا بطولة
رغم ما فعله، يرفض عم طارق أن ينسب لنفسه صفة “البطل”، مؤكداً أن ما قام به ليس أكثر من واجب إنساني.
“حتى لو كنت أنا اللي اتخبطت مكانه، الحمد لله ربنا سترها. أنا بعتبر اللي عملته ده واجب مش بطولة، أهم حاجة عندي إن الناس كلها تاخد بالها، لأن المزلقان مش لعبة ولا مغامرة، ده موت محقق.”
ويضيف: “إحنا بنقف على المزلقان بالتناوب أنا وزمايلي، وبنتعامل مع كل قطار كأنه موقف خطير، لأن أي تهاون ممكن يضيع روح. الناس شايفة شغلانتنا بسيطة، لكن في الحقيقة إحنا أمان للناس كلها.”
حارس الأرواح
بينما تمر عشرات القطارات يومياً من أمام مزلقان كوبري السادات، يقف عم طارق بصفارته البسيطة ليكون خط الدفاع الأول بين المارة والموت. واقعة إنقاذ الشاب لم تكن مجرد لحظة عابرة، بل رسالة قوية أن البطولة قد تسكن في قلوب البسطاء، وأن إنقاذ حياة واحدة قد يجعل من عامل مزلقان “بطلاً في عيون مدينة كاملة”.





