تحقيقات وملفات

مجاعة غزة بعد عامين من الحرب.. الأمم المتحدة توثق الجوع القاتل وارتفاع حصيلة الوفيات بين الأطفال.. الاحتلال يحول المساعدات إلى “مصائد موت”.. والطواقم الطبية تدق ناقوس الخطر: إبادة جماعية بطيئة تخنق الحياة وتسرق المستقبل

على مشارف عامين كاملين من الحرب الإسرائيلية المستمرة ضد قطاع غزة، تتكشف واحدة من أبشع صور الكارثة الإنسانية في التاريخ الحديث: المجاعة المعلنة رسميًا لأول مرة على لسان الأمم المتحدة وخبراء دوليين، بعد أن تجاوزت المأساة حدود نقص الغذاء لتتحول إلى جريمة تجويع متعمد، حصدت أرواح المئات بينهم عشرات الأطفال الذين سقطوا جوعًا قبل أن يسقطوا بالرصاص.

الأمم المتحدة أكدت في بيانها الأخير أن أكثر من نصف مليون فلسطيني عالقون في دوامة المجاعة داخل القطاع، بلا غذاء كافٍ أو دواء متوفر، فيما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية حتى نهاية أغسطس 2025 تسجيل 339 حالة وفاة مباشرة بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم 124 طفلًا لم يجدوا ما يسند حياتهم القصيرة.

المساعدات تتحول إلى فخاخ موت

رغم الادعاءات الإسرائيلية المتكررة بأنها توفر الغذاء عبر ما يسمى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، إلا أن الحقائق على الأرض كشفت عكس ذلك. الكاميرات رصدت مشاهد صادمة في نقاط توزيع المساعدات التي حددها جيش الاحتلال: حشود تسير لعشرات الكيلومترات بحثًا عن رغيف خبز، لتعود في كثير من الحالات فارغة الأيدي أو محمولة على الأكتاف كجثامين ملفوفة في الأقمشة.
المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني وصف المشهد بدقة حين قال: “توزيع المساعدات في غزة تحول إلى مصيدة للموت”، في إشارة إلى فوضى مقصودة تتعمد تحويل البحث عن الغذاء إلى مخاطرة بحياة المدنيين.

هندسة تجويع ممنهجة

الدكتور إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، كشف أن الاحتلال الإسرائيلي أدخل الشهر الماضي فقط 14% من الاحتياجات الفعلية لسكان القطاع، بما يعكس عجزًا يبلغ 86% عن الحد الأدنى المطلوب للمعيشة. وأكد أن القطاع يحتاج يوميًا إلى 6000 شاحنة مساعدات، بينما يعيش 95% من سكان غزة بلا دخل أو قدرة على شراء ما يتوفر في الأسواق.
الثوابتة شدد على أن “هذه السياسة ليست عشوائية، بل هندسة تجويع متعمدة تستهدف المدنيين جماعيًا وتعرضهم لخطر الإبادة”.

حصيلة الشهداء والجرحى.. أرقام تفوق الخيال

حتى 31 أغسطس 2025، بلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 7 أكتوبر 2023 63,459 شهيدًا و160,256 مصابًا. ومنذ 18 مارس 2025 وحتى نهاية أغسطس وحدها، ارتقى 11,328 شهيدًا وأصيب 48,215 آخرون.
أما شهداء “لقمة العيش” الذين سقطوا أثناء محاولاتهم الحصول على الغذاء والماء، فقد بلغ عددهم 2,248 شهيدًا وأكثر من 16,600 مصاب، وهي حصيلة دامية تكشف أن المجاعة في غزة ليست كارثة طبيعية، بل جريمة حرب موصوفة.

الأطفال في مواجهة الموت البطيء

الأطفال، كعادتهم في كل حروب غزة، هم الوجه الأكثر قسوة للمأساة. ففي يونيو الماضي وحده، سُجلت 12,000 حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال – وهو أعلى رقم شهري في تاريخ القطاع – بزيادة ستة أضعاف منذ بداية العام. وتشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل أربعة أطفال يعاني من سوء تغذية حاد وخيم، وهو أخطر أشكال الجوع الذي يفتك بالصحة الجسدية والعقلية على المدى القريب والبعيد.

الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي، حذر من أن نقص الغذاء ونقص المناعة فتح الباب أمام موجة من الفيروسات والأنفلونزا الموسمية التي تضرب الأطفال كل عام، لكنها هذا العام تسببت في انهيار أجسادهم الصغيرة بسرعة مذهلة.

القطاع الطبي يصرخ.. والضمير الدولي صامت

وزارة الصحة الفلسطينية في غزة وصفت الوضع بأنه “مجاعة فعلية” تتجلى في نقص الغذاء والدواء معًا، مع تفشي سوء التغذية الحاد وعجز المستشفيات عن مواجهة الكارثة.
الطواقم الطبية دقت ناقوس الخطر: “نحن أمام كارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة، وقد نصل إلى لحظة لن نستطيع فيها إنقاذ أي طفل يدخل المستشفى”.

إبادة جماعية بطيئة

المراقبون يرون أن ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب، بل إبادة جماعية بطيئة تنفذ عبر التجويع والحرمان من أساسيات الحياة. فاستهداف المدنيين أثناء بحثهم عن الطعام – كما وصف الثوابتة – جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية.

وفيما تزداد أعداد الشهداء والمصابين، يبقى الصمت الدولي سيد الموقف، بينما يواصل الفلسطينيون معركة البقاء بأجساد أنهكها الجوع وبأطفال لم يعرفوا طعم الطفولة.

4572577 p scaled 202507011225152515

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى