
وسط مشاهد احتفالية باذخة ومزيج فريد من الفخر والبهجة وروح الحضارة المصرية، انطلقت صباح اليوم الثلاثاء فعاليات العيد القومي لمحافظة الأقصر على كورنيش النيل، حيث اجتمعت أصوات الموسيقى والطبول مع خفقات الأعلام وبريق الزي الفرعوني ليصنعوا لوحة استثنائية تؤكد أن الأقصر لا تزال “مدينة التاريخ الحي” التي تنبض بالحضارة كلما تنفست.
وجاء الاحتفال هذا العام بطابع مختلف، عقب قرار المحافظ المهندس عبد المطلب عمارة إعادة العيد القومي إلى موعده الأصلي في 9 ديسمبر، تخليداً لقرار تحويل الأقصر من مدينة ذات طابع خاص إلى محافظة مستقلة عام 2009. وهي خطوة لاقت ترحيبًا واسعًا من أبناء المحافظة الذين رأوا فيها عودة الاعتبار لذكرى ترتبط بتاريخ إداري مهم في مسيرة الأقصر الحديثة.
موكب الحنطور الفرعوني: أطفال يرتدون ماضي الحضارة
انطلقت الاحتفالات بموكب فريد من نوعه لعربات الحنطور المزينة بالزهور والشرائط الملونة، حيث اعتلى الأطفال العربات وهم يرتدون أزياء فرعونية أنيقة، بينما شاركهم العاملون بالفنادق السياحية في مشهدٍ حمل رسالة تقدير من القطاع السياحي لشعب الأقصر واحتفالهم بمحافظتهم.
ورافق الموكب علم مصر بطول 25 متراً، يتقدمه حملة الأعلام والكشافة والجوالة، ثم فرقة الموسيقى العسكرية التي قدمت عروضاً موسيقية مبهرة. تبعها طابور جامعة الأقصر الذي شارك بقوة مقدماً عروضاً شبابية منظمة تعكس روح الجيل الجديد.
استعراضات تراثية… فرعوني وصعيدي ونوبي في لوحة واحدة
تواصلت الأجواء الاحتفالية بعروض فنية واستعراضية قدمتها مدارس التربية والتعليم وفرق الشباب والرياضة وقصور الثقافة.
وكان لافتًا دمج الأزياء الفرعونية مع الصعيدية والنوبية التقليدية، في رسالة تؤكد أن الأقصر ليست فقط معبدًا كبيرًا للتاريخ، بل أيقونة حيّة للتنوع الثقافي المصري.
وقدمت فرق التنورة عروضاً جذبت أنظار السائحين الذين التفوا حول الكورنيش لتوثيق المشاهد النادرة بعدساتهم، بينما احتفى الجمهور المحلي بهذه الروح التي أعادت لهم ذكريات طفولتهم مع الأعياد القومية الأولى.
نيل الأقصر يتزيّن بالمراكب الشراعية في عرض مائي ساحر
وفي مشهد خطف الأضواء، انطلقت المراكب الشراعية البيضاء لتملأ صفحة النيل، مقدّمة عرضاً فنياً طبيعياً استثنائياً.
تمايلت الأشرعة مع حركة الرياح، بينما ظهرت خلفها بانوراما البر الغربي، لتتحول المياه الهادئة إلى لوحة تجمع بين جمال الطبيعة وتاريخ المكان ورمزية العيد.
وفي سياق الاحتفالية، نظّم اتحاد شباب الأقصر بالتعاون مع مديرية التربية والتعليم ورشة رسم حملت اسم “همسات نيلية بأنامل فرعونية”، شارك فيها عشرات الطلاب الموهوبين الذين رسموا لوحات مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة.
محافظ الأقصر يشيد بأهالي المحافظة ويعلن افتتاح مشروعات جديدة
وفي كلمته خلال الاحتفال، قدّم المهندس عبد المطلب عمارة التهنئة لأهالي المحافظة، مؤكداً اعتزازه بالعمل في مدينة تُعد من أهم المدن التراثية في العالم، ومشيراً إلى الجهد الكبير الذي بُذل في تنظيم الاحتفالية التي اعتبرها “رسالة محبة للعالم من قلب الأقصر”.
ووجّه المحافظ الشكر لكل الجهات المنظمة وعلى رأسهم اللواء عبد الله عاشور سكرتير عام المحافظة، مشدداً على أن المحافظة ماضية في تنفيذ خطة تنموية شاملة تستهدف تحسين مستوى الخدمات في مختلف القطاعات.
وأشار المحافظ إلى أن الفترة الحالية ستشهد افتتاح عدد من المشروعات القومية والخدمية والتنموية في مختلف المدن والمراكز، مؤكداً أن هذه المشروعات تأتي تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لدعم التنمية المستدامة وتحسين جودة حياة المواطنين في محافظة الأقصر.
قيادات تنفيذية وشعبية وأعداد كبيرة من السائحين يشاركون في العيد
وشهدت الفعاليات حضوراً رفيع المستوى تقدمه اللواء محمد الصاوي مدير أمن الأقصر، والدكتور هشام أبو زيد نائب المحافظ، والدكتورة صابرين عبد الجليل رئيس جامعة الأقصر، والعميد عمرو حسن رئيس هيئة الرقابة الإدارية بالمحافظة، إلى جانب رؤساء المدن ووكلاء الوزارات التنفيذية وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ.
وامتلأ كورنيش النيل بأعداد كبيرة من المواطنين والسائحين الذين عبروا عن اندهاشهم بجمال المشاهد وفرادة العروض، مؤكدين أن الأقصر تتنفس الحضارة وتملك القدرة على تحويل أي مناسبة إلى احتفال عالمي يستحق المشاهدة.
عودة العيد القومي إلى 9 ديسمبر… قرار يعيد الأمور إلى أصلها
ويعد هذا العام هو الأول الذي يتم فيه الاحتفال بالعيد القومي في 9 ديسمبر بعد قرار المحافظ بإعادة تاريخ العيد إلى موعده الأصلي بدلاً من 4 نوفمبر، الذي كان يُحتفل به تزامناً مع ذكرى اكتشاف مقبرة الملك الذهبي توت عنخ آمون.
وجاء هذا القرار بعد مشاروات واسعة ورغبة من عدد من المثقفين والمهتمين بتاريخ المحافظة، باعتبار أن 9 ديسمبر 2009 يشكل لحظة مفصلية في رحلة الأقصر الإدارية، حيث تم تحويلها إلى محافظة مستقلة وفق القرار الجمهوري رقم 378 لسنة 2009.
جولات ميدانية مكثفة استعداداً للعيد والموسم السياحي
وعلى هامش الاحتفال، كان المحافظ قد قام بجولة موسعة شملت عدة أحياء في مدينة الأقصر والبر الغربي لمتابعة أعمال النظافة وتطوير المرافق استعداداً للموسم السياحي، ضمن خطة شاملة لرفع جاهزية المدينة وتعزيز صورتها أمام السائحين الذين يشهدون زيادة ملحوظة هذا الموسم.
ختام احتفالي: الأقصر… مدينة تعيد كتابة البهجة كل عام
اختُتمت الفعاليات وسط حالة من الفخر لدى الأهالي الذين شعروا أن عيد محافظتهم عاد بروحه الحقيقية، وأن الاحتفال هذا العام يحمل رمزية العودة للتاريخ والإدارة والهوية.
وبين أشرعة المراكب، ونغمات “الأقصر بلدنا”، والأزياء الفرعونية التي ازدانت بها شوارع المدينة، بدت الأقصر وكأنها تكتب فصلاً جديداً من الاحتفاء بالحضارة والجمال.





