مع بزوغ فجر الأيام الأولى لموسم صيد التونة في دمياط، تبدأ ملامح الحركة والنشاط في الميناء. عمال يتوزعون على مهامهم المعتادة؛ فريق يقوم بتجهيز الطاولات، وآخر يتكفل بتوفير ألواح الثلج اللازمة لحفظ الأسماك طازجة، فيما يتم فتح أماكن التخزين استعدادًا لاستقبال الشحنات المرتقبة. الأعين تترقب الأفق في انتظار عودة سفن الصيد المحملة بأثمن الغنائم: أسماك التونة، التي يصفها الصيادون بموسم الرزق والخير.
فور اقتراب السفن من الشاطئ، يعلو صوت البحر ممزوجًا بأهازيج الصيادين. تبدأ عملية تفريغ الشحنات؛ مرة تأتي السفينة محملة بالتونة البيضاء، وأخرى بالتونة العنيدة، وكل نوع له زبائنه ومريديه. باعة الأسماك يتسابقون للحصول على نصيبهم، فيما ينتظر السوق المحلي بدوره طرح الكميات أمام الجمهور بأسعار تحددها وفرة المعروض.
محمد خلف، أحد الصيادين القدامى، يقول: “ننتظر موسم التونة كل عام وكأننا ننتظر العيد. هو موسم الخير الذي ينعش حركة البيع والشراء. خلال هذه الفترة، الجميع يكسب: الصياد، التاجر، وحتى المواطن البسيط الذي يحصل على أسماك التونة طازجة”، مضيفًا أن التغيرات المناخية أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه الصيادين، لكنها لم تمنعهم من توفير أنواع متعددة من التونة للحفاظ على الموسم حيًا ومثمرًا.
ويضيف خلف: “رحلتي الأخيرة استغرقت ثمانية أيام، وعدنا محملين بكميات كبيرة من التونة البيضاء. بعض زملائنا ما زالوا في عرض البحر، وأتوقع أن يكون الموسم هذا العام ناجحًا رغم الصعوبات”.
على الجانب الآخر، يشرح أحد الصيادين من دمياط تفاصيل العمل البحري قائلًا: “نستخدم طُعم الجمبري في اصطياد التونة البيضاء، لكن الأمر لا يقتصر على الطُعم وحده، بل يعتمد أيضًا على نوع الغزل المستخدم. أفضل وسيلة لصيد التونة تبقى غزل السنار، فهو يمنحنا نتائج مضمونة رغم صعوبة التعامل مع هذه الأسماك”.
أما محمد الصردي، وهو جزار أسماك متخصص في تجهيز التونة قبل بيعها، فيؤكد أن عمله يرتبط بشكل مباشر بالموسم: “مع بداية موسم التونة يبدأ شغلنا الحقيقي. تجهيز التونة يتطلب دقة عالية، لأن أي خطأ قد يؤدي إلى فقدان جودة السمكة. التونة العنيدة على سبيل المثال من أصعب الأنواع التي نتعامل معها، لكننا نتقن تحضيرها لتكون جاهزة أمام المستهلك”.
ويضيف بابتسامة تعكس قيمة الموسم بالنسبة له: “موسم التونة بالنسبة لنا يشبه موسم القطن عند الفلاحين. قد يكون سببًا في تغيير حياة أسرة كاملة؛ ربما نزف فيه فرحة زواج ابن أو نبدأ مشروعًا جديدًا بعد رحلة بحر ناجحة. لذلك نعتبره من أهم المواسم في حياة الصياد”.

وهكذا يظل موسم التونة في دمياط أكثر من مجرد نشاط اقتصادي. إنه حدث اجتماعي واقتصادي وثقافي يجمع بين الصيادين والتجار وأهالي المدينة على مائدة واحدة، يحيي التراث البحري العريق ويعكس قدرة الإنسان على مواجهة صعوبات البحر والمناخ من أجل لقمة عيش كريمة. إنه بالفعل “موسم الخير” الذي ينتظره الجميع عامًا بعد عام.




