محافظات بلدنا

أبرق.. جوهرة الجنوب المنسية بين التاريخ والطبيعة في قلب محمية جبل علبة.. صور

دينا زكريا

في الركن الجنوبي الشرقي من مصر، وعلى بُعد نحو 150 كيلومترًا من مدينة الشلاتين، تستقر قرية “أبرق” كدرّة نادرة بين رمال البحر الأحمر وسلاسل جبال علبة الشاهقة. ورغم عزلة الموقع وتحديات الوصول، إلا أن أبرق ظلت صامدة، محافظة على هويتها التاريخية والطبيعية، محتضنة بين طياتها إرثًا إنسانيًا وطبيعيًا ثريًا، يجعلها من أكثر المناطق تميزًا داخل نطاق محمية جبل علبة، التي تُعد من أكبر وأهم المحميات البيئية في مصر والعالم العربي.

موقع استثنائي وتنوع بيولوجي نادر

تقع أبرق في الشمال الغربي من مدينة الشلاتين، وتتبعها إداريًا، لكنها تنفرد بتكوينها الطبيعي وتضاريسها المتنوعة التي جعلتها مركزًا للأنظار داخل نطاق المحمية. المنطقة تحتضن وديانًا خصبة مثل وادي العرقة، وادي عيقات، وادي الخير، وادي الأميريت، وادي قمبيت، وأبو سعفة، والتي تلعب دورًا محوريًا في التنوع البيئي والجغرافي للمكان، كما تسهم في تغذية الحياة النباتية والحيوانية الغنية.

ويؤكد الدكتور أحمد غلاب، مدير محميات البحر الأحمر، أن أبرق تُعد من أغنى قطاعات محمية جبل علبة من حيث التنوع البيولوجي، مشيرًا إلى انتشار نباتات طبية نادرة في أرجاء المنطقة، فضلًا عن وجود أنواع فريدة من الكائنات البرية، مثل الغزال والتيتل والوبر، خاصة في المناطق المحيطة بـ”أبو سعفة”، التي تمثل بدورها أحد التجمعات البيئية والقبلية ذات الأهمية الخاصة.

أبرق.. حافظة الذاكرة الحضارية منذ آلاف السنين

لكن أبرق ليست فقط موقعًا بيئيًا ثريًا، بل سجلًّا حيًا لحضارات مرت من هنا وخلّدت وجودها على جدران الصخور وداخل الممرات الجبلية. تعود آثار الوجود البشري في أبرق إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث ترك الإنسان الأول نقوشه وبصماته التي لا تزال شاهدة على تفاعله مع بيئة خصبة وثرية.

ويقول محمد أبو الوفا، مدير آثار البحر الأحمر السابق، إن أبرق مثّلت محطة محورية لعدد من الحضارات القديمة، حيث وجدت بها آثار رومانية من بينها القلعة الرومانية الشهيرة، التي شيدها الرومان خلال فترة وجودهم في المنطقة، بالإضافة إلى آثار فرعونية تؤكد أن الفراعنة عبروا من هنا، وتركوا شواهد تؤرخ اتصالهم العميق بالمكان، من بينها بوابات ونقوش محفورة في الصخور.

أبرز ما يلفت الأنظار أيضًا في تلك الرقعة المنسية هو وجود بوابة أثرية تُعرف باسم “بوابة الماء” أو Aqua Door، تقع في منطقة أبو سعفة، وهي منحوتة بدقة في صخور جبال المنطقة، وتعود للعصور الفرعونية، وتحمل نقوشًا قديمة تُعيد الزائر إلى أجواء التاريخ السحيق.

محطة الحجاج ونقوش الإسلام

ولأن أبرق تقع على الطرق القديمة المؤدية إلى البحر الأحمر، فقد كان لها دور مهم في طريق الحجاج المسلمين القادمين من الشمال والمتجهين إلى ميناء عيذاب التاريخي، الواقع في أقصى الجنوب المصري على البحر الأحمر، والذي كان يُعد بوابة المصريين إلى الأراضي المقدسة.

وتم توثيق هذا الدور من خلال نقوش إسلامية لا تزال محفوظة في الصخور بمنطقة غرب أبرق، وهو ما يضفي على المكان بعدًا دينيًا وتاريخيًا يجعله شاهدًا على التواصل بين أجيال العصور الإسلامية المتعاقبة، وسير الحجاج الذين مروا من هنا طلبًا لبركة الحجاز.

الآبار والعيون.. عصب الحياة في الصحراء

الحياة في أبرق لم تكن ممكنة لولا وجود الآبار وعيون المياه الطبيعية، التي تُعد شريانًا حيويًا لسكان المنطقة وللحيوانات والنباتات على حد سواء. من بين أبرز هذه المصادر بئر أبرق الشهير، وعين الماء في أبو سعفة، إلى جانب عدد من الآبار الأخرى التي تتناثر في محيط المنطقة وتغذي التجمّعات السكانية الصغيرة.

سكان المنطقة – ومعظمهم من قبائل العبابدة – لا يزالون يعيشون على النمط البدوي الأصيل، متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم، حيث يتجمعون حول مصادر المياه، خاصة في منطقتي “العرقة” و”أبرق”، ويتنقلون بين الجبال والوديان بحثًا عن المراعي ومواطن الخير.

مقام الشيخ حميد.. الروح الحارسة لأبرق

وفي قلب أبرق، يقع مقام وضريح الشيخ حميد، أحد رموز المنطقة وشيوخها المعروفين، والذي يُعتقد أنه عاش في المنطقة قبل قرون طويلة، وخلّد ذكراه بين سكانها الذين يقيمون له مولدًا سنويًا يُعد من المناسبات الروحانية الكبرى في المنطقة، ويشهد مشاركة واسعة من أبناء القبائل المجاورة.

المقام لا يمثل فقط بعدًا دينيًا، بل يُعد جزءًا من الهوية الثقافية لسكان أبرق، الذين يعتبرون الشيخ حميد رمزًا للحكمة والمحبة والحماية، حتى أصبح الضريح محجًا روحانيًا يؤمه الزوار من مناطق الجنوب كافة.


مستقبل أبرق.. ما بين الحماية والتنمية

رغم ما تملكه أبرق من مقوّمات بيئية وتاريخية وسياحية هائلة، إلا أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الأضواء، وتعاني من ضعف البنية التحتية والخدمات، ما يجعلها في حاجة ماسة إلى رؤية تنموية شاملة تراعي خصوصية الموقع وتوازن بين حماية البيئة وتنشيط السياحة البيئية والثقافية.

يؤكد المختصون أن إدراج أبرق ضمن مشاريع السياحة المستدامة، والربط بين مكوناتها الأثرية والطبيعية، يمكن أن يحولها إلى وجهة سياحية عالمية تجمع بين المغامرة والتاريخ والروحانية، خاصة مع تزايد الإقبال العالمي على هذا النوع من السياحة.

وفي انتظار ذلك، تبقى أبرق درة الجنوب النائمة، محتفظة بأسرارها، ومنتظرة من يقرأ نقوشها، ويصغي لصوت الريح وهي تمر عبر صخورها، وتهمس بتاريخ حضارات مرت من هنا، وما زالت روحها باقية بين الوديان.

المنطقة السكانية لأبرق
المنطقة السكانية لأبرق
قرية أبرق
قرية أبرق
أودية أبرق شمال الشلاتين
أودية أبرق شمال الشلاتين
منطقة ابرق التابعة لمحمية جبل علبه
منطقة ابرق التابعة لمحمية جبل علبه
أبرق من ارتفاعات القمم الجبلية
أبرق من ارتفاعات القمم الجبلية
وادى سعفة وعيون المياه
وادى سعفة وعيون المياه
منطقة أبرق والمناطق الطبيعية بها
منطقة أبرق والمناطق الطبيعية بها
نقوش تدل على وجود الأنسان ما قبل التاريخ
نقوش تدل على وجود الأنسان ما قبل التاريخ

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى