
تزخر محافظة الإسكندرية بعشرات المباني ذات الطابع التاريخي والأثري، التي لا تزال بصمتها واضحة رغم مرور العقود وتغير الظروف المناخية وتأثيرات العوامل الجوفية. ومن بين هذه المعالم التي حافظت على رونقها حتى اليوم، تبرز عمارة وكالة مونفراتو كأحد أهم المباني في قلب منطقة المنشية وسط المدينة، تلك المنطقة التي كانت – وما زالت – قبلة كبار التجار وأكبر مركز تجاري في الإسكندرية.
وكالة مونفراتو… أيقونة معمارية من القرن التاسع عشر
تعود جذور مبنى وكالة مونفراتو إلى عام 1887، حين شُيّد على يد المعماري الإيطالي الشهير لوجي بياتولي، الذي أبدع في تصميمه وفق الطراز الإيطالي الكلاسيكي، وهو ما يتجلى بوضوح في زخارفه الدقيقة وتفاصيله المعمارية المتقنة.
ويوضح محمد سعيد، الخبير الأثري بالإسكندرية، أن اسم الوكالة يُعرف أيضًا باسم “مونفيراتو” أو “أمفراتو”، وهي كلمة تعني الكهف بالإيطالية. وأُطلق هذا الاسم لوجود ممرات داخل المبنى تشبه ممرات الكهوف القديمة. ويشير إلى أن بياتولي كان من أبرز الفنانين الإيطاليين في ذلك العصر، وقد تتلمذ على يديه عدد من المعماريين المصريين البارزين لاحقًا.
ويضيف سعيد أن الوكالة كانت تضم مقهى شهيرًا يعد من أقدم وأبرز المقاهي في المدينة، كما تتكون العمارة من وحدات سكنية مقسمة إلى غرف، استخدمت — ولا تزال — كمخازن للتجار العاملين في منطقة المنشية التي كانت مركزًا تجاريًا ضخمًا يستقبل التجار من مختلف أنحاء العالم.
ميدان المنشية… سيرة ميدان يحكي تاريخ مدينة
ارتباط وكالة مونفراتو بمنطقة المنشية يقود للحديث عن أحد أهم ميادين الإسكندرية: ميدان المنشية أو ميدان محمد علي باشا، الذي شُيّد عام 1830، وكان يحمل اسم محمد علي لفترة طويلة قبل أن يتغير إلى “ميدان القناصل” وصولًا إلى اسمه الحالي.
وترجع فكرة إقامة تمثال الخديوي إسماعيل بالميدان إلى عام 1865، بعدما شاهد خلال زيارته لأوروبا تماثيل القادة التاريخيين التي تزين ميادين العواصم الكبرى، فرغب في تخليد ذكرى جده محمد علي باشا عبر تمثال ضخم، وكان من المقرر وضعه في مدينة الإسماعيلية قبل أن يُقرر نقله لاحقًا إلى قلب الإسكندرية.
ووقع الاختيار على النحات الفرنسي الشهير ألفريد جاكمار لنحت التمثال، وهو أحد أبرز الفنانين في القرن التاسع عشر. أنهى جاكمار العمل على التمثال البرونزي في يوليو 1872، وعُرض لمدة شهر كامل في شارع الشانزليزيه بفرنسا. ثم أوفد صديقه المعماري أمبرواز بودري إلى مصر ليبلغ الحكومة بإتمام العمل، وليصمم قاعدة التمثال الرخامية التي وصلت إلى الإسكندرية بالتزامن مع وصول التمثال نفسه.
وفي أغسطس من العام ذاته، جرى تثبيت التمثال في منتصف ميدان القناصل، بينما أقيم الاحتفال الرسمي لوضعه في 19 ديسمبر 1872، ليصبح بعدها أحد أبرز العلامات البارزة في قلب المدينة.
ذاكرة مدينة لا تنطفئ
ما بين وكالة مونفراتو وميدان المنشية، تحكي الإسكندرية قصة مدينة حافظت على ملامحها المعمارية رغم الزمن. مبانٍ وجدرانٌ صامتة، لكنها تحمل بين طياتها تاريخًا ممتدًا لقرنين، يروي مزيجًا من الثقافات الإيطالية والفرنسية والمصرية، ويعكس مكانة المدينة التي كانت نافذة الشرق على أوروبا، وسوقًا عالميًا نابضًا بالحياة لا تزال آثاره ماثلة حتى اليوم.





