تحقيقات وملفات

أرتورو زانييري.. الإيطالي الذي علم محمود سعيد وخلّدته الإسكندرية بلوحة واسم

الإسكندرية ليست مجرد مدينة ساحلية عريقة تتنفس التاريخ، بل كانت وما زالت بوتقة تلتقي فيها الثقافات وتتلاقح فيها الفنون. على أرضها عاش كثير من الجاليات الأجنبية التي تركت أثرًا لا يُمحى في تفاصيل الحياة الاجتماعية والفنية، ومن بينهم الفنان والمصور الإيطالي أرتورو زانييري، الذي استوطن المدينة لسنوات طويلة وأسّس فيها مدرسة فنية مؤثرة، ما جعله أحد أبرز الأسماء في تاريخ الحركة التشكيلية المصرية.

مرسم في قلب النبى دانيال

اختار زانييري أن يجعل من الإسكندرية وطنًا ثانيًا له، فافتتح مرسمًا للفنون في شارع النبى دانيال، بالتعاون مع شريف باشا صبري – شقيق الملكة نازلي – والفنان أحمد راسم. ولم يكن هذا المرسم مجرد مكان لتعليم الرسم، بل تحول إلى مركز إشعاع فني استقطب نخبة من المهتمين بالفنون في تلك الحقبة، واكتسب شهرته الأوسع كونه المرسم الذي تتلمذ فيه الفنان الكبير محمود سعيد بين عامي 1915 و1918.

زانييري ومحمود سعيد.. علاقة أستاذ وتلميذ

الخبير الأثري السكندري محمد سعيد أوضح أن تأثير زانييري على محمود سعيد بدا واضحًا في مجموعة من أبرز أعماله، مثل بورتريه أحمد راسم، ولوحة عمّي محرم، وكذلك بورتريه أحمد باشا مظلوم. غير أن محمود سعيد لم يستسلم كليًا لظل أستاذه، إذ خرج من عباءته تدريجيًا حتى تمكن عام 1927 من صياغة أسلوبه الخاص في لوحات مثل “الجزيرة السعيدة” و”الحمار”.

ويشير الباحثون إلى أن تلك المرحلة مثّلت نقطة تحول في مسيرة محمود سعيد، حيث بدأ يتبلور أسلوب مصري خالص بعيدًا عن التأثيرات الأوروبية، وهو ما أُنجز بالكامل عام 1947 ليصبح محمود سعيد أحد أبرز رواد المدرسة المصرية الحديثة في الفن التشكيلي.

عقبات أمام وانلي

ولم يكن مرسم زانييري متاحًا للجميع؛ إذ حالت تكاليفه الباهظة دون التحاق بعض المواهب الصاعدة، مثل الأخوين سيف وأدهم وانلي. كما أن محمود سعيد نفسه نصحهما بعدم الانضمام، خشية أن تطغى شخصية زانييري الفنية القوية على أسلوبهما. فكان البديل أن توجها إلى مرسم الفنان المجري “چوليا بالينت”، ثم لاحقًا إلى مرسم الإيطالي أوتورينو بيكي.

عبقرية في البورتريه

اللوحة الأشهر لزانييري – المعروضة الآن في متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية – تُجسد سيدة ترتدي أزياء من بدايات القرن العشرين، حيث تتجلى مهارة الفنان في إبراز تفاصيل الوجه واليدين وملامس الملابس بدقة وإحساس عالٍ. وتُعد هذه اللوحة مثالًا على عبقريته في فن البورتريه، حيث امتزج الإحساس الإنساني بالبراعة التقنية.

من زانييري إلى “زنانيري”

ومن الطرائف أن اسم زانييري ظل حاضرًا في الذاكرة الشعبية السكندرية، إذ أطلقت على منطقة في كليوباترا تسمية مشتقة من اسمه. ومع مرور الزمن، تحوّر الاسم إلى “زنانيري”، وهو ما يعكس كيف تتداخل الذاكرة الشعبية مع الإرث الفني والثقافي.

محمود سعيد.. قاضٍ ورسام خلّدته الألوان

ولد محمود سعيد عام 1897 في أسرة أرستقراطية، فوالده محمد باشا سعيد كان رئيس وزراء مصر في فترة صاخبة من تاريخها السياسي، وهو أيضًا خال الملكة فريدة زوجة الملك فاروق. ورغم إصرار والده على أن يدرس القانون ويلتحق بالنيابة العامة، ظل شغفه بالفن حيًا حتى تفرغ له تمامًا وهو في الخمسين من عمره.

وعلى الرغم من بداياته تحت تأثير الأساتذة الأجانب، وعلى رأسهم زانييري، إلا أن محمود سعيد استطاع التحرر من هذه المدارس ليؤسس لنفسه أسلوبًا فنيًا مصريًا أصيلًا، حتى أصبح اليوم أحد أعمدة الفن التشكيلي في العالم العربي.

إرث باقٍ

رحل زانييري بعد أن ترك إرثًا فنيًا مهمًا في ذاكرة الإسكندرية، واحتفظ التاريخ بمرسمه ولوحاته التي لا تزال شاهدة على عبقريته. كما ظل اسمه حاضرًا في مسيرة أعظم الفنانين المصريين، وعلى رأسهم محمود سعيد، الذي تحول من تلميذ إلى رائد لمدرسة مصرية خالصة أثّرت في أجيال متعاقبة.

إنها حكاية فنان أجنبي وجد في الإسكندرية وطنًا، فأعطاها من روحه وريشته، لترد له المدينة الجميل بأن تحفظ اسمه في متحفها وفنها وذاكرتها الشعبية.

179106 IMG 5196 186336 IMG 5198 241121 IMG 5197

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى