في حدث أثري وثقافي استثنائي، استعاد متحف بولتون البريطاني قطعة نادرة من تاريخه المخبأ، بعد أن قرر عرض قبعة عسكرية رومانية يعود عمرها إلى نحو ألفي عام، وهي واحدة من ثلاثة نماذج فقط معروفة في العالم، وذلك لأول مرة أمام الجمهور منذ أكثر من 100 عام.
هذه القبعة، التي يعتقد أنها صنعت لجندي روماني خدم في مصر عقب الغزو الروماني الذي أعقب وفاة الملكة كليوباترا السابعة عام 30 قبل الميلاد، تقدم لمحة فريدة عن الحياة العسكرية في مصر أثناء فترة الاحتلال الروماني، وتفتح نافذة نادرة على أساليب تجهيز الجنود وأدواتهم في مواجهة بيئة صحراوية قاسية.
رحلة قطعة نادرة من الحفر إلى المتحف
القصة تعود إلى عام 1911، حين تبرع السير ويليام ماثيو فليندرز بيتري، عالم الآثار البريطاني الشهير وأحد رواد منهجية التنقيب العلمي في مصر، بهذه القبعة إلى أول متحف في بولتون. ورغم قيمتها التاريخية الفائقة، ظلت القطعة محفوظة في مخازن المتحف طوال أكثر من قرن، قبل أن تقرر إدارة المتحف إعادتها إلى النور في معرض استثنائي.
القبعة، التي تعتبر أفضل النماذج الثلاثة المعروفة عالميًا من هذا النوع، تتميز بحالتها الممتازة مقارنة بغيرها، إذ ما زالت تحتفظ بملامح تصميمها الفريد. أما النموذجان الآخران فهما معروضان في معرض ويتوورث للفنون بمدينة مانشستر البريطانية، وفي أحد المتاحف الإيطالية بمدينة فلورنسا.
تصميم عسكري مهيأ للصحراء
يعود تاريخ هذه القبعة إلى نحو عام 200 ميلادي، وتكشف دراسات خبراء الحفظ أنها لم تكن مجرد قطعة عسكرية عادية، بل صُممت بعناية لتتناسب مع ظروف الخدمة في مصر. فقد أضيفت تعديلات عملية لحماية رأس الجندي من شمس الصحراء الحارقة، ومن العواصف الرملية المتكررة، الأمر الذي يعكس مرونة الجيش الروماني وقدرته على تكييف معداته وفق متطلبات كل إقليم من أقاليم إمبراطوريته الشاسعة.
ويشير خبراء إلى أن هذه القطعة تمثل دليلاً مادياً على أن الجيش الروماني لم يكن مجرد قوة قتال، بل كان منظومة متكاملة تتبنى الابتكار في تصميم المعدات، بما يخدم بقاء الجندي على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة في الميدان، خصوصاً في بيئات قاسية مثل شمال إفريقيا.
من قطعة مسطحة إلى تحفة حية
تروي خبيرة حفظ المنسوجات جاكي هيمان، وهي المسؤولة عن عملية تجهيز القبعة للعرض، أن القطعة وصلت إليها في حالة هشة للغاية، أشبه بـ”قطعة مسطحة ومعلبة” لا تكاد توحي بشكلها الأصلي. لكن بعد عمليات حفظ دقيقة، تحولت إلى كائن ثلاثي الأبعاد ينبض بالحياة، في تجربة وصفتها هيمان بأنها “إعادة بعث” لهذه القطعة التاريخية، لتصبح قادرة على التواصل مع الزوار ونقلهم إلى أجواء مصر قبل ألفي عام.
معرض مؤقت قبل الانتقال إلى عرض دائم
سيبقى هذا الكنز الأثري معروضًا عند مدخل صالات العرض المصرية في متحف بولتون حتى سبتمبر 2025، قبل أن ينتقل إلى مساحة عرض دائمة داخل المتحف، بما يضمن استمرار إلهام الزوار وإتاحة هذه النظرة النادرة على الحياة العسكرية الرومانية في مصر لسنوات قادمة.
وبينما يقف الزائر أمام هذه القبعة، يجد نفسه أمام قطعة جمعت بين عبق التاريخ ودقة الحرفية، وبين دورها كأداة عسكرية ووظيفتها كوثيقة بصرية تحكي قصة التقاء حضارتين: الحضارة الرومانية العريقة، والحضارة المصرية الضاربة في أعماق التاريخ.




