
في مثل هذا اليوم 15 مارس من عام 1922، شهدت مصر تحولًا سياسيًا مهمًا في نظام الحكم، بعدما أُعلن رسميًا تغيير لقب الحاكم من “السلطان” إلى “الملك”، ليصبح السلطان فؤاد هو الملك فؤاد الأول. جاء هذا التحول في أعقاب إعلان انتهاء الحماية البريطانية عن مصر، وهو ما فتح الباب أمام إعادة تشكيل البنية السياسية للدولة وتأكيد استقلالها الشكلي، لتتحول مصر من سلطنة إلى مملكة.
وفي ضوء هذه الذكرى التاريخية، نستعرض خلفيات هذا القرار وأسبابه، إضافة إلى التغييرات التي طرأت على نظام الحكم ووراثة العرش في تلك المرحلة.

مرسوم ملكي لتنظيم وراثة العرش
يشير كتاب «فؤاد الأول» للكاتب محمد عبد الحميد إلى أن الملك فؤاد بادر بعد إعلان المملكة بإصدار مرسوم ملكي ينظم مسألة وراثة العرش داخل الأسرة الحاكمة.
وقبل ذلك التاريخ، كان نظام الوراثة في مصر يسير وفقًا لأحكام الفرمانات العثمانية، خاصة فرمان عام 1841 الذي منح محمد علي باشا حق توريث الحكم لأسرته. لكن هذا النظام لم يكن يعتمد على انتقال السلطة إلى الابن الأكبر للحاكم، بل كان يقوم على انتقالها إلى أكبر أفراد الأسرة سنًا.
وضرب الكتاب عدة أمثلة على ذلك؛ فقد تولى عباس حلمي الأول الحكم بعد عمه الأكبر إبراهيم باشا، رغم أنه لم يكن الابن المباشر للحاكم السابق. كما تولى محمد سعيد باشا الحكم بعد ابن أخيه عباس الأول، بينما وصل الخديو إسماعيل إلى عرش مصر عام 1863 لأنه كان الأكبر سنًا بين أمراء الأسرة آنذاك.
وعندما قرر فؤاد الأول إعادة تنظيم هذا النظام، أدخل تعديلات جوهرية عليه، حيث أعلن أنه لا يسعى إلى حرمان الأمير عبد المنعم بن عباس حلمي ونسله من حقهم في وراثة العرش، في حال انقراض نسل الفرع الرئيسي للأسرة الحاكمة.
كما تضمن المرسوم الملكي قواعد واضحة لتنظيم مجلس الوصاية، وهو المجلس الذي يتولى إدارة شؤون الحكم إذا تولى العرش ملك قاصر. وقد نص المرسوم على تشكيل مجلس وصاية منظم بدلًا من ترك الأمر لتعيين وصي منفرد، كما وضع ضوابط تضمن حماية حقوق التاج خلال فترة الوصاية.
وفي حال تعذر على الملك القائم تعيين مجلس الوصاية بنفسه، نص المرسوم على أن يتولى البرلمان مسؤولية اختيار أعضاء هذا المجلس، بما يضمن استمرار استقرار الحكم وعدم وقوع السلطة في فراغ دستوري.

من السلطنة إلى المملكة
ويشير كتاب «نأسف للإزعاج: وقائع تاريخية وأحوال سياسية» للكاتب مدحت عبد الرازق إلى أن الملك فؤاد، المعروف بطموحه السياسي، وجد فرصة مناسبة لتحويل مصر من سلطنة إلى مملكة في تلك اللحظة التاريخية.
ففي ذلك الوقت، لم يعارض الوطنيون المصريون هذا التحول، بل رأوا فيه خطوة رمزية نحو الاستقلال الكامل، إذ كانت السلطنة مرتبطة في الوعي العام بفترة إعلان الحماية البريطانية على مصر عام 1914.
أما إعلان المملكة المصرية فقد اعتُبر في نظر كثيرين مرتبة سياسية أعلى تعكس تطلع المصريين إلى دولة مستقلة ذات سيادة.
ومع ذلك، فإن المملكة الجديدة لم تكن مطلقة الصلاحيات؛ فقد جاءت مقيدة لاحقًا بدستور عام 1923 الذي نظم العلاقة بين الملك والحكومة والبرلمان.
ورغم القيود الدستورية، تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن الملك فؤاد حاول في أكثر من مناسبة تعزيز نفوذه السياسي، من خلال تكليف حكومات أقلية موالية له بتشكيل الوزارات، وهو ما أتاح له هامشًا واسعًا للتأثير في الحياة السياسية.
طموحات سياسية ودولة جديدة
ويرى عدد من المؤرخين أن إعلان المملكة لم يكن مجرد تغيير شكلي في اللقب، بل كان يعكس أيضًا طموحًا سياسيًا لدى فؤاد الأول لإعادة تشكيل الدولة المصرية في صورة جديدة.
فبالنسبة له، كان التحول من “سلطان” إلى “ملك” يمثل قفزة سياسية نحو بناء دولة ذات مكانة مختلفة في المنطقة، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدها العالم الإسلامي بعد انهيار الدولة العثمانية.
وقد ربط بعض الباحثين بين هذا الطموح وبين رغبة الملك في تعزيز شرعية حكمه وترسيخ نفوذ الأسرة العلوية، خاصة في ظل تصاعد الحركة الوطنية والمطالب الشعبية بالدستور والحياة النيابية.

محطة فارقة في تاريخ الحكم في مصر
يبقى يوم 15 مارس 1922 محطة مهمة في التاريخ السياسي المصري، إذ شهد بداية مرحلة جديدة تحولت فيها مصر رسميًا من سلطنة إلى مملكة.
ورغم أن الاستقلال الذي أُعلن في ذلك الوقت لم يكن كاملًا، فإن هذه الخطوة مهدت لاحقًا لإصدار دستور 1923 وتأسيس الحياة البرلمانية الحديثة، وهو ما جعل تلك المرحلة واحدة من أبرز المراحل الانتقالية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة.




