محافظات بلدنا

رحلة الصيادين في بورسعيد.. حكايات الصبر والرزق على شاطئ البحر الأبيض المتوسط

على امتداد الساحل الشمالي الشرقي لمصر، حيث تتلاقى مياه البحر الأبيض المتوسط مع أفق مدينة بورسعيد، تبدأ الحكاية كل يوم مع أول خيوط الفجر. في تلك اللحظات التي يسبق فيها ضوء النهار نسمات الصباح الباردة، وتعلو فيها أصوات النوارس فوق الأمواج، يتهيأ الصيادون لخوض رحلة جديدة مع البحر.

في هذه المدينة التي تشتهر بتاريخها البحري وموقعها الفريد عند المدخل الشمالي لقناة السويس، يشكل الصيد جزءًا أصيلًا من هوية المكان وسيرة سكانه. فبورسعيد ليست مجرد ميناء تجاري عالمي، بل هي أيضًا مدينة تعيش على إيقاع البحر، وتحتفظ بذاكرة طويلة من الكفاح والمغامرة في مواجهة أمواجه المتقلبة.

عودة من عرض البحر

مع بزوغ أول ضوء للشمس، تبدأ مراكب الصيد التقليدية في العودة إلى الشاطئ تباعًا. يعلو هدير محركاتها الصغيرة فوق همسات الموج، وتتحرك نحو الرمال وهي محملة بالشباك المثقلة بالأسماك الطازجة. على الشاطئ، تنتظر فرق من الصيادين، بعضهم من أبناء الرحلة، وبعضهم آخرون يساعدون في تفريغ الحمولة.

في مشهد يتكرر يوميًا، تُسحب الشباك الممتلئة من البحر، ويفرز الصيادون صيدهم بدقة وخبرة، يضعون السردين في صناديق، ويجمعون البوري في أخرى، بينما تصطف الأسماك الكبيرة على جوانب القوارب لتنتقل بعد لحظات إلى عربات النقل المتجهة إلى سوق السمك في قلب المدينة.

“صيد الضهرة”.. إرث الآباء والأجداد

يمتد شاطئ بورسعيد بطول يقارب ستة كيلومترات، وهو النطاق الذي يعرفه الصيادون باسم “صيد الضهرة”. هذه الحرفة ليست مجرد مهنة بل إرث تاريخي ارتبط بعائلات كاملة منذ تأسيس المدينة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

في زمن كان البحر فيه هو الطريق الأوسع للرزق، اعتمدت أجيال من البورسعيدية على الصيد كمصدر دخل وحيد، فكانوا يتعلمون أسراره منذ الصغر، ويحفظون مواسمه، ويتناقلون خبراته كما تتناقل العائلات قصصها. واليوم، ورغم تغير الزمن، لا يزال “صيد الضهرة” يحتفظ بمكانته كعلامة فارقة في حياة المدينة.

أصوات الصيادين.. البحر رزق وصبر

محمد شعبان، أحد الصيادين الشباب، يصف رحلته مع البحر قائلًا:

“إحنا بنطلع من الفجر ونواجه البحر على حالته، مرة هادي ومرة عالي الموج. الصيف بيكون أسهل من الشتاء، بس برضه محتاج مجهود كبير. البحر رزق، بس رزقه عايز صبر وفهم للشغل”.

أما السيد الزيني، أحد أقدم صيادي المنطقة، فيسترجع ذكريات عقود من العمل:

“الشغل ده إحنا ورثناه من آبائنا وأجدادنا، وما زلنا بنحب البحر رغم تعبه. موسم الصيف بيكون فيه أنواع سمك كتير مطلوبة، زي السردين، وده بيطلبه الناس مش بس في بورسعيد، لكن في محافظات تانية كمان”.

أكثر من مهنة.. مصدر رزق لآلاف الأسر

رحلات الصيد اليومية لا تمثل مجرد عمل فردي، بل هي شريان حياة اقتصادي يمتد أثره إلى آلاف الأسر في بورسعيد. فمنها يعيش الصياد، ويعمل بائع السمك، ويستفيد أصحاب المطاعم، وحتى الأسر التي تشتري الأسماك الطازجة يوميًا بأسعار تناسب مختلف الفئات.

توفير الأسماك المحلية يسهم في توازن السوق ويمنع ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه، خاصة في مواسم الإقبال، كما يضمن وصول منتجات البحر إلى موائد المواطنين دون انقطاع.

البحر.. شريك حياة

في بورسعيد، البحر ليس مجرد خلفية جغرافية، بل هو شريك حقيقي في حياة الناس. هو المدرسة التي يتعلم فيها الصياد معنى الصبر، وهو الساحة التي يختبر فيها شجاعته، وهو أيضًا المخزن الذي يفتح أبوابه أحيانًا بسخاء ويغلقها أحيانًا أخرى.

ورغم المخاطر التي يحملها البحر، من العواصف المفاجئة إلى تقلبات الطقس، فإن الصيادين يعودون إليه كل صباح، مدفوعين بشغف لا ينطفئ. فالبحر بالنسبة لهم ليس خيارًا، بل قدر وارتباط لا ينفصم، وملحمة يومية تتجدد مع كل موجة وكل رحلة صيد.

حكاية مدينة تحيا بالبحر وللبحر

بورسعيد، بتاريخها العريق ومينائها العالمي، ما زالت تحتفظ بروحها البحرية الأصيلة. فالصيد هنا ليس مجرد مهنة موسمية، بل هو حكاية مدينة تشربت ملح البحر، وارتبطت حياتها بحركة المراكب وأصوات النوارس، وظلت على الدوام مثالًا لصمود الإنسان أمام الطبيعة.

على رمال شاطئها، ستظل مشاهد الصيادين العائدين من البحر واحدة من أجمل صور الحياة اليومية، تروي للأجيال القادمة أن الرزق لا يأتي بسهولة، وأن البحر، رغم قسوته أحيانًا، يبقى مصدر العطاء الأول لمن يعرف كيف يصادقه.

1838825 الفرز للاسماك scaled 1941861 صيادوا بورسعيد scaled

1642955 بيع الاسماك scaled

1478349 اسماك السردين 1 scaled

1345475 جانب من الصيد 3 scaled

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى