الميدان الذي لا ينام
في قلب الإسكندرية، وعلى مقربة من البحر الذي شهد رحلات الغزاة والتجار والرحالة عبر العصور، يقف ميدان المنشية شاهدًا على تاريخ المدينة، متربعًا على عرش أعرق الميادين المصرية وأكثرها امتلاءً بالحكايات. بين أركانه تتداخل رائحة الزمن مع همسات البحر وصوت عربات الخيل القديمة التي كانت تتقاطع شوارعه في القرن التاسع عشر.
ليس مجرد مساحة حضرية مفتوحة، بل هو سجل حيّ للأحداث الكبرى، من تماثيل الملوك إلى خطابات الزعماء، ومن لحظات الفخر الوطني إلى مآسي الحرائق والثورات.
الفصل الأول: ولادة الميدان من حلم محمد علي
تعود قصة الميدان إلى عام 1830، حين اتخذ والي مصر محمد علي باشا قرارًا بتطوير الإسكندرية لتصبح واجهة حضارية تضاهي مدن البحر المتوسط. كان العصر عصرًا ذهبياً للعمارة الأوروبية في مصر، واستعان محمد علي بالمعماريين الإيطاليين والفرنسيين ليضعوا بصماتهم على المدينة الساحلية.
أطلق على الميدان أولًا اسم ميدان محمد علي تقديرًا لمؤسس مصر الحديثة. لكن مع توافد القناصل الأوروبيين واستقرارهم في الإسكندرية، تحوّل اسمه لاحقًا إلى ميدان القناصل، حيث كانت القنصليات الأجنبية تطل على جنباته، ليصبح مركزًا للدبلوماسية الدولية في قلب المدينة.
ومع مرور العقود، أصبح الميدان نقطة التقاء لثقافات متعددة؛ تسمع فيه العربية والإيطالية واليونانية والفرنسية، وترى المقاهي التي تحمل الطابع الأوروبي تتجاور مع المحال المصرية العتيقة. وفي أواخر القرن التاسع عشر، استقر اسمه أخيرًا على ميدان المنشية، نسبة إلى مصممه المعماري الإيطالي فرانشيسكو مانشيني، الذي رسم خطوطه لتكون متناغمة مع روح المدينة المتوسطية.
الفصل الثاني: التمثال الذي سافر من باريس إلى الإسكندرية
حكاية تمثال محمد علي باشا في قلب الميدان تكاد تكون رواية قائمة بذاتها.
بدأت القصة عام 1865 حين زار الخديوي إسماعيل أوروبا، وشاهد عن قرب التماثيل التي تزين ميادين باريس وروما ولندن. أعجبته فكرة تخليد القادة في قلب المدن، فقرر إقامة تمثال لجده محمد علي باشا ليكون عنوانًا للعظمة والتاريخ في مصر.
-
النحات الفرنسي جاكمار: أُسندت مهمة نحت التمثال إلى ألفريد جاكمار، أحد أشهر نحاتي القرن التاسع عشر في فرنسا.
-
البرونز والشانزليزيه: اكتمل نحت التمثال في يوليو 1872 من البرونز، وعُرض لمدة شهر كامل في شارع الشانزليزيه بباريس، قبل شحنه إلى مصر.
-
قاعدة رخامية من تصميم بودري: صمّم المعماري الفرنسي أمبرواز بودري قاعدة التمثال من الرخام، في تمازج بين القوة والرفاهية المعمارية.
وفي 19 ديسمبر 1872، أقيم الاحتفال الرسمي لوضع التمثال في قلب الميدان، الذي كان يُعرف آنذاك بـ”ميدان القناصل”، بحضور الأعيان والقناصل الأجانب والقيادات المصرية. كان ذلك اليوم إيذانًا بتحول الميدان إلى رمز حضاري لا يقل عن أشهر ميادين أوروبا.
الفصل الثالث: الميدان مسرح للأحداث الكبرى
لم يكن ميدان المنشية مجرد مساحة جميلة، بل أصبح شاهدًا على أحداث هزّت مصر.
-
ضرب الإسكندرية 1882
في صيف 1882، حين قصفت البوارج البريطانية المدينة لإخماد الثورة العرابية، كان الميدان في قلب العاصفة. تعرضت المباني المحيطة لهزات عنيفة، وتحولت بعض الشوارع إلى ساحة اشتباكات بين المصريين والجاليات الأجنبية التي كانت تقيم حول الميدان. -
خطاب عبد الناصر وتأميم القناة 1956
سيظل يوم 26 يوليو 1956 محفورًا في ذاكرة الميدان، حين اعتلى الرئيس جمال عبد الناصر المنصة وسط حشود غفيرة ليعلن قرار تأميم شركة قناة السويس بعد سحب البنك الدولي تمويل السد العالي.
لكن الميدان ارتبط أيضًا بمحاولة اغتيال عبد الناصر الشهيرة التي عُرفت بـ”حادث المنشية”، والتي وقعت في أكتوبر 1954 أثناء أحد خطاباته.
تحول الميدان وقتها إلى رمز للإرادة الوطنية والتحدي الشعبي أمام الاستعمار. -
ثورة الجياع في السبعينات
في عقد السبعينيات، ومع تصاعد الغضب الشعبي من ارتفاع الأسعار، كان الميدان محطة لتجمعات المتظاهرين الغاضبين، ليصبح شاهدًا على ما عُرف بثورة الجياع. -
حريق مبنى البورصة 1979
على أطراف الميدان، كان يقف مبنى البورصة التاريخي، تحفة معمارية لاتينية تتصدرها ساعة ضخمة. بعد ثورة يوليو تغيّر اسمه من البورصة إلى الاتحاد الاشتراكي ثم التحرير، قبل أن يلتهمه حريق هائل عام 1979، معلنًا نهاية فصل من ذاكرة الميدان المعمارية.
الفصل الرابع: تحولات اجتماعية ومعمارية
يُجسد ميدان المنشية تحولات الإسكندرية نفسها:
-
من مدينة كوزموبوليتانية عالمية تتجاور فيها الجاليات،
-
إلى مدينة وطنية خالصة بعد رحيل الأجانب وتراجع القنصليات.
المقاهي والمحلات تغيرت، العربات التي كانت تجرها الخيول اختفت لتحل محلها السيارات الصاخبة، لكن روح المكان بقيت حاضرة، تحتضن المارة والسياح والباعة الجائلين على حد سواء.
ذاكرة مفتوحة على البحر
اليوم، حين تتجول في ميدان المنشية، قد لا تدرك للوهلة الأولى أنك تقف على أرض شهدت صخب التاريخ المصري الحديث، من قصف الاحتلال إلى خطابات التحرر الوطني.
إنه ميدان يروي قصة مدينة تمازج فيها الشرق والغرب، ويمثل نموذجًا نادرًا لميادين لا يقتصر دورها على الحركة المرورية، بل تصبح مسرحًا للأحداث ومخزنًا للذاكرة الجماعية.
ويبقى ميدان المنشية علامة فارقة في سجل الإسكندرية، لا يشيخ مهما تغيرت المباني من حوله، لأن التاريخ الذي يحمله في أركانه أعمق من أن يبهت مع الزمن.





