محافظات بلدنا

ستانلي.. أيقونة الإسكندرية بين عبق الكبائن وتاريخ الكورنيش

على امتداد كورنيش الإسكندرية، تطل منطقة ستانلي كإحدى العلامات الفارقة في ذاكرة المدينة الساحلية، ليس فقط بجمال شاطئها وكبائنها المميزة، ولكن أيضًا بكونها شاهدة على مراحل طويلة من تاريخ “عروس البحر المتوسط”، منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا.
فالكبائن الشهيرة هناك باتت رمزًا من رموز الإسكندرية، خاصة بعد أن اندثرت كبائن أخرى في المندرة والإبراهيمية بفعل أعمال التطوير والتوسعة، لتبقى ستانلي أيقونة لا تمحى من ذاكرة المدينة وسكانها وزائريها.


فكرة الكبائن وبداياتها

تعود فكرة الكبائن إلى عام 1932، عندما كانت البداية مجرد أكواخ خشبية متراصة على الشاطئ لتلبية الإقبال الكبير على الاستحمام، قبل أن تقرر بلدية الإسكندرية تطويرها وإنشائها على ثلاثة مستويات متدرجة. ومع مرور السنوات، تحولت تلك الأكواخ البسيطة إلى كبائن مميزة، ذات طابع معماري أنيق، حتى أصبحت واحدة من أهم ملامح الشاطئ السكندري.

ويبلغ عدد الكبائن اليوم نحو 340 كابينة مصممة في شكل نصف دائري يلتف حول الشاطئ مباشرة، لتشكل لوحة جمالية أمام كوبري ستانلي الشهير. وكانت هذه الكبائن، وما زالت، مقصدًا لعشرات الآلاف من المصطافين والزوار، لما توفره من خصوصية وتجربة استجمام استثنائية.


نجوم السينما على شاطئ ستانلي

لم يكن شاطئ ستانلي مجرد مكان للاستحمام، بل تحول عبر العقود إلى مزار فني وثقافي. فقد استقطب كبريات أسماء الفن المصري في زمنه الذهبي، من بينهم عمر الشريف، أحمد رمزي، حسن يوسف، فضلًا عن العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ. كما ارتبط اسم الشاطئ بزيارات نخبة من الفنانات مثل فاتن حمامة، صباح، شادية، سعاد حسني، سهير رمزي، ليلى فوزي، ومريم فخر الدين.

واللافت أن الشاطئ شهد أيضًا زيارة الكاتبة الإنجليزية الشهيرة أجاثا كريستي، التي انبهرت بجمال المكان وهدوئه. ومن هنا اكتسبت كبائن ستانلي شهرتها كأيقونة فنية وسياحية، ظهرت في العديد من الأفلام المصرية الكلاسيكية التي وثقت ملامح الإسكندرية في أبهى صورها.


كوبري ستانلي.. حل مروري ومعلم معماري

من أبرز معالم المنطقة كذلك كوبري ستانلي الذي افتتح رسميًا عام 2001 في عهد اللواء عبد السلام المحجوب محافظ الإسكندرية الأسبق. وجاء إنشاؤه كحل جذري للاختناقات المرورية التي كانت تشهدها منطقة ستانلي، خاصة في موسم الصيف حيث تتحول إلى عنق زجاجة يعطل حركة المرور لساعات.

الكوبرى الذي كلّف نحو 30 مليون جنيه لم يكن مجرد حل مروري، بل تحفة معمارية بديعة بُنيت على الطراز الإيطالي المستوحى من قصر المنتزه، ليتماشى مع الطابع المعماري للمدينة. واليوم، بات الكوبري من أبرز رموز الإسكندرية، وملتقى للزائرين لالتقاط الصور التذكارية المطلة على البحر.


أصل التسمية.. من الرحالة إلى الشاطئ

يرجع اسم “ستانلي” إلى الرحالة البريطاني هنري مورتون ستانلي، أحد أبرز المستكشفين في القرن التاسع عشر، الذي اشتهر باكتشاف منابع النيل في بحيرة فيكتوريا. ومن هنا ارتبط اسم الرحالة بالمنطقة، ليظل شاهدًا على تداخل الثقافات الأوروبية مع هوية الإسكندرية التاريخية.


كورنيش الإسكندرية.. تاريخ ممتد

أما كورنيش الإسكندرية، الذي يحتضن منطقة ستانلي، فله قصة أخرى مع الزمن. إذ تعود فكرته الأولى إلى عام 1901 حين شرع المجلس البلدي للمدينة في إنشاء رصيف الأنفوشي ورصيف الميناء الشرقي، قبل أن يعتمد مشروع الطريق الساحلي بتكلفة 5000 جنيه آنذاك، ارتفعت لاحقًا إلى 17 ألف جنيه عام 1906 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.

وفي عام 1905 أُنشئ سور الكورنيش من السلسلة حتى قلعة قايتباي باستخدام خط سكك حديد مؤقت لنقل الأحجار، ثم أزيل بعد اكتمال البناء. ومع ذلك لم يُنجز المشروع دفعة واحدة، بل قُسّم إلى مراحل على مدى سنوات طويلة.

خلال فترة الملك فؤاد الأول ورئاسة الحكومة لإسماعيل صدقي باشا، بدأ العمل الفعلي في 1925 واستغرق إنجازه نحو عشر سنوات، ليتم تشييده على ست مراحل امتدت من السلسلة غربًا حتى قصر المنتزه شرقًا، بطول شمل ما بين قصر رأس التين غربًا إلى المنتزه شرقًا.

وتخللت مراحل التنفيذ تحديات كبيرة، أبرزها اعتراض قوات الاحتلال الإنجليزي على مد الطريق بمحاذاة ثكناتها في منطقة مصطفى كامل باشا، قبل أن تُستكمل الأعمال في عام 1931 بخليج ستانلي كشاطئ مخصص للاستحمام، ثم المرحلة الأخيرة التي انتهت عام 1934 بامتداد الطريق إلى المنتزه.


ستانلي.. بين الماضي والحاضر

اليوم، ما زالت كبائن ستانلي تحتفظ بمكانتها الخاصة على كورنيش الإسكندرية. فرغم التحولات العمرانية والتطويرات المتلاحقة، فإنها بقيت شاهدًا على جزء أصيل من تاريخ المدينة، ووجهًا سياحيًا يجمع بين الأصالة والحداثة.

تلك الكبائن لم تعد مجرد أماكن للاستحمام، بل ذاكرة حية تختزن صورًا لفنانين، مستكشفين، وزوار مرّوا من هنا. ومع كل صباح صيفي جديد على البحر المتوسط، تظل ستانلي رمزًا خالدًا لعلاقة الإسكندرية ببحرها، وتأكيدًا على أن هذه المدينة لا تكف عن التجدد، لكنها في الوقت ذاته لا تنسى ماضيها.

126446 IMG 4356 161860 IMG 4354 187966 IMG 4355 214778 IMG 4353

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى