محافظات بلدنا

قصر أجيون وشارع فؤاد.. ذاكرة الإسكندرية الحية وحكايات الماضي العريق

حين تتجول في قلب الإسكندرية، خاصة في شارع فؤاد الشهير، تجد نفسك أمام لوحة فنية مفتوحة على الزمن، حيث تتراص المباني التراثية العتيقة التي تحكي بصمت تاريخ المدينة الساحرة. هنا، يطل قصر عائلة “أجيون” شامخًا، محملًا بعبق الماضي، وكأنه شاهد حي على تحولات كبرى شهدتها المدينة عبر أكثر من قرن.

قصر أجيون.. من مقر لعائلة يهودية إلى صرح صحفي

يرجع تاريخ هذا القصر المهيب إلى الفترة ما بين عامي 1885 و1887، حين قررت عائلة “أجيون”، وهي من أعرق العائلات اليهودية في مصر، بناء مقر جديد لها بعد أن تكبدت خسائر كبيرة جراء قصف الأسطول البريطاني للإسكندرية عام 1882. هذه العائلة لم تكن مجرد اسم عابر، بل واحدة من أبرز العائلات الاقتصادية في البلاد، حيث نشطت في تجارة القطن وتصديره، وكانت تمتلك شركات وبنوكًا وعقارات عديدة جعلتها ضمن الأكثر نفوذًا في الحياة الاقتصادية آنذاك.

القصر الذي يعرف اليوم باسم مبنى جريدة الأهرام بشارع فؤاد لم يكن مجرد مقر سكني فخم، بل تحفة معمارية متفردة. وقد صممه المهندس الإيطالي الشهير أنطوان لاشياك، الذي عُرف بلمساته الفنية المميزة على القصور الخديوية في عهد الخديوي توفيق. أما تنفيذ القصر فقد تولاه المقاول اليوناني البارز جورج زورو، الذي لعب دورًا محوريًا في إعادة إعمار الإسكندرية بعد القصف البريطاني.

ما يميز القصر ليس فقط تاريخه، بل تفاصيله المعمارية الفريدة. فقد شُيّد على طراز الباروك الإيطالي مع لمسات يونانية واضحة، وتزينت أسقفه بتصميمات فريدة أبرزها رؤوس الأفيال التي تحمل الأسقف، في إشارة إلى القوة والفخامة. هذا المزيج الفني جعله واحدًا من أجمل المباني في الإسكندرية حتى يومنا هذا.

من بيت فخم إلى منبر صحفي

مع مرور السنوات، انتقلت ملكية القصر إلى الأخوين سليم وبشارة تقلا، مؤسسي جريدة الأهرام، التي بدأت رحلتها الصحفية من شارع البورصة في منطقة المنشية. وبمجرد شراء المبنى، حرص الأخوان تقلا على إجراء تعديلات داخلية أعطته طابعًا عمليًا يناسب العمل الصحفي، شملت إضافة أبواب حديدية مزخرفة بشعار الأهرام، وتحويل بعض القاعات إلى غرف تحرير وقاعات اجتماعات، ليصبح المبنى مقرًا دائمًا للصحفيين، وما زال حتى الآن شاهدًا على صفحات مضيئة من تاريخ الصحافة المصرية.

شارع فؤاد.. أقدم شوارع العالم

أما القصر نفسه فموقعه يزيد من قيمته التاريخية، إذ يتربع على عرش أحد أقدم شوارع العالم المأهولة حتى اليوم: شارع فؤاد. يعود تاريخ هذا الشارع العريق إلى عام 331 قبل الميلاد، حين شيد البطالمة طريقًا يُعرف باسم الطريق الكانوبي، تصطف على جانبيه الأعمدة الرخامية، ليربط قلب المدينة القديمة بميناءها الشرقي.

مع تعاقب العصور، تغيرت أسماء الشارع أكثر من مرة؛ فبعد الفتح الإسلامي لمصر عُرف بـطريق رشيد، ثم أطلق عليه لاحقًا شارع فؤاد نسبة إلى الملك فؤاد الأول. وفي العصر الحديث، يعرف أيضًا باسم طريق الحرية أو شارع جمال عبد الناصر، ويمثل امتدادًا لشارع أبو قير الشهير.

تحفة معمارية مفتوحة على الزمن

يضم شارع فؤاد ما يزيد على 50 مبنى تاريخيًا، أغلبها يعكس تنوعًا فريدًا في الطرز المعمارية بين اليونانية والإيطالية الفلورنسية والفرنسية والإنجليزية. وقد تنافس كبار المهندسين والمستثمرين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على تشييد هذه المباني بأساليب فنية متفردة، جعلت الشارع اليوم متحفًا معماريًا مفتوحًا.

ومن أبرز هذه المباني عمارة تراسك باس وعمارة فومارولي، اللتان حازتا جائزة أفضل تصميم للواجهة من المجلس البلدي في زمن ازدهار المدينة التجاري والثقافي. كما يقع في الشارع مبنى نادي محمد علي – الذي تحول لاحقًا إلى مركز الحرية والإبداع – وكان في بداياته أكبر أندية الإسكندرية وأكثرها فخامة.

ويمتد الشارع من قسم شرطة العطارين – الذي مثّل يومًا مركز الحراسة البريطانية في الإسكندرية – مارًا بمعبد صغير لـ”سيرابيس”، وصولًا إلى تقاطع شارع النبي دانيال، حيث يلتقي مع الشبكة الرئيسية لطرق المدينة القديمة التي وضع تصميمها المهندس الإغريقي دينوقراطيس، أحد أبرز مهندسي الإسكندرية البطلمية.

شارع فؤاد اليوم.. تاريخ ينبض بالحياة

رغم مرور أكثر من ألفي عام على إنشاء هذا الشارع العريق، ما زال شارع فؤاد ينبض بالحياة، ويستقطب عشاق التراث والباحثين عن أسرار الإسكندرية القديمة. أما قصر أجيون، بتحولاته من بيت فخم لعائلة يهودية ثرية إلى مقر لواحدة من أعرق الصحف العربية، فيظل شاهدًا حيًا على قصة مدينة لا تنام، تعانق البحر من جهة والتاريخ من جهة أخرى.

86271 IMG 4262 87879 IMG 4261 181833 IMG 4259 227829 IMG 4260

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى