تُعد الإبل ثاني أكثر الحيوانات انتشارًا بعد الأغنام في الصحراء الشرقية، وتمثل جزءًا أصيلًا من حياة القبائل البدوية، خاصة في مناطق حلايب وشلاتين، حيث تتجاوز أهميتها كونها وسيلة للتنقل ومصدرًا للغذاء لتصبح رمزًا للتراث الثقافي والهوية القبلية المتجذرة في وجدان أبناء الصحراء.
في هذه المناطق الجبلية الممتدة على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ما زالت القبائل تحافظ على تقليد عريق يُعرف بـ”وسم الإبل”، وهو عملية كيّ الجمل بالحديد الساخن في مواضع بارزة مثل الفخذ أو الكتف أو الرقبة، ليصبح الوسم علامة تعريفية دائمة، أشبه بجواز سفر يحدد هوية الجمل وانتماءه القبلي، ويحفظ له مكانته بين قطعان الصحراء.
عبد الرحمن سر الختم، أحد أبناء قبيلة البشارية، أوضح أن الوسم بمثابة بطاقة شخصية لكل جمل، إذ تمتلك كل قبيلة رمزًا خاصًا لا يتكرر، ما يسهل معرفة مالك الجمل سواء أثناء تنقله أو عند ضياعه، مؤكّدًا أن هذا العرف القبلي يُحترم من الجميع ولا يحدث فيه أي تداخل.
وأضاف أن قبيلتي البشارية والعبابدة تنتشران في الجنوب، بينما تتركز قبائل المعازة في شمال البحر الأحمر، إلى جانب قبائل القرايزة وجهينة في عمق الصحراء، ولكل منها حدود رعي معروفة لا يجوز التعدي عليها. وتُترك الإبل لترعى بحرية لأشهر طويلة دون أن يجرؤ أحد على المساس بها، بفضل هذا النظام العرفي الصارم الذي تلتزم به جميع القبائل.
أما زين العابدين البشاري من قبيلة البشارية، فأكد أن الوسم ليس مجرد عادة تقليدية، بل وسيلة لحماية السلالات النادرة من الضياع أو السرقة والاختلاط، مشيرًا إلى أن هذا الطقس القبلي العريق ما زال مستمرًا حتى اليوم، ويعكس احترام كل قبيلة لتراثها وخصوصياتها. ويرى أن الوسم يمثل رمزًا للشرف والانتماء، ويجسد العلاقة العميقة بين الإنسان والإبل في بيئة صحراوية قاسية.
ويضيف أن الوسم يُوضع عادة على أجود السلالات فقط، بينما لا تُوسم الجمال المخصصة للبيع إلا بعد انتقال ملكيتها رسميًا، ما يجعل عملية الوسم بمثابة إعلان صريح عن الهوية والحق الشرعي في الملكية.
في ظل اتساع رقعة الصحارى وتشابه الإبل، يبقى الوسم واحدًا من أعرق الموروثات التي تمنح الإبل هوية ثابتة تحفظ للقبائل حقوقها، وتربط حاضرها بماضيها الممتد عبر أجيال، لتظل الإبل علامة فارقة على الأصالة والانتماء في الصحراء الشرقية.





