في قلب الريف المصري الهادئ، وتحديدًا في قرية ميت أبو الكوم التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية، يقف متحف الرئيس الراحل محمد أنور السادات شاهدًا حيًا على سيرة زعيم لم يكن عابرًا في التاريخ، بل صانعًا له. فالرجل الذي خاض معركة العبور في أكتوبر المجيد، هو نفسه الذي قلب موازين السياسة العالمية بتوقيعه على أول معاهدة سلام عربية إسرائيلية، معلنًا أن السلام خيار الشجعان.
ذلك المتحف، الذي تحوّل إلى مزار وطني وثقافي يستقطب الزائرين من شتى بقاع الأرض، لم يكن مجرد بيت قديم للرئيس الراحل، بل تحول إلى وثيقة بصرية وتاريخية، تسرد محطات رجل الحرب والسلام، وتُعيد الزائر إلى أيام شكلت وجدان الأمة المصرية.
ولادة المتحف.. مبادرة عائلية وإرث وطني
يعود تاريخ إنشاء المتحف إلى عام 1996، حين بادر أنور عصمت السادات، ابن شقيق الزعيم الراحل، بشراء المنزل القديم بعد وفاة الرئيس بوقت قصير، بدعم وتنسيق كامل مع السيدة جيهان السادات، زوجة الرئيس الأسبق. وكان الهدف واضحًا منذ البداية: تخليد ذكرى السادات بطريقة تليق بحجم تأثيره المحلي والدولي.
يقول سامح الشحيمي، مدير المتحف:
“هذا المكان لا يمثل فقط سيرة زعيم، بل هو مرآة لمرحلة كاملة من تاريخ مصر. ما نعرضه هنا هو مقتنيات حقيقية، من ملابسه العسكرية إلى عباءته الفلاحي، من عصاه البسيطة إلى كرسيه الذي كان يقرأ عليه ورد القرآن يوميًا.”
صور قرارات غيّرت وجه الشرق الأوسط
داخل المتحف، تحتل أربع صور نادرة مكانة محورية، لأنها ترصد لحظات مفصلية من التاريخ المصري والعالمي.
الصورة الأولى توثق زيارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إلى قرية ميت أبو الكوم، في مشهد رمزي يُعبّر عن توازن فريد بين الجغرافيا الريفية والحدث الدولي.
أما الصورة الثانية، فهي لوثيقة معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، والتي أنهت صراعًا دام لعقود.
الصورة الثالثة، والأكثر إثارة، تظهر السادات خلال زيارته الجريئة إلى إسرائيل عقب نصر أكتوبر مباشرة، وهي الزيارة التي أحدثت زلزالًا سياسيًا في العالم العربي آنذاك.
والصورة الرابعة تسجّل لحظة نادرة له وهو يصلي في المسجد الأقصى بالقدس، ليكون بذلك الزعيم العربي الوحيد الذي أدى الصلاة هناك بعد الاحتلال الإسرائيلي.
من العباءة الفلاحي إلى جائزة نوبل
المتحف يزخر بعشرات المقتنيات الخاصة بالرئيس السادات، والتي تسلط الضوء على شخصيته المركبة: العسكري الصارم، والفلاح البسيط، والمثقف المتزن، والسياسي واسع الرؤية.
يقول الشحيمي:
“من أكثر المقتنيات التي تستوقف الزائرين: العباءة الفلاحية الشهيرة، والعصا اليدوية، وكرسي القراءة، إلى جانب بدلة التشريفة العسكرية التي ارتداها في أكثر من مناسبة رسمية.”
وفي قلب إحدى القاعات، تُعرض صورة جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها السادات مشاركة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن. وإلى جانبها، تُعرض المرآة التي كان الزعيم يُهذّب بها ملابسه، تأكيدًا على ما وصفه مدير المتحف بأنه “واحد من أكثر عشرة زعماء أناقة في القرن العشرين”.
كلمات خالدة من السادات إلى الأجيال القادمة
في ركن هادئ من المتحف، خُصصت لوحة تحمل كلمات كتبها السادات بخط يده، تُجسّد فلسفته الأخلاقية والسياسية. يقول فيها:
“قل الحق دائمًا، ولا تستمع إلا إلى كلمة الحق، لأن الحق حصن منيع يحميك ويحمي من يستمع إليك. لا تسرق الفقير لأنه فقير، ولا تقهر الضعيف لأنه ضعيف، ولا تصاحب الجشع، ولا تخالط الحاقد، كي لا تُصبح روحك أسيرة للحقد والجوع.”
بانوراما نادرة لحياة الزعيم.. من “مص القصب” إلى مشهد الوداع
من أبرز ما يميز المتحف هو البانوراما البصرية التي توثق لحظات إنسانية نادرة في حياة السادات.
إحدى الصور تُظهره وهو يمصّ القصب في إحدى جولاته الريفية، وأخرى أثناء قراءة الفاتحة على قبر شقيقه الطيار الشهيد عاطف السادات، أول شهداء الطيران في حرب أكتوبر.
صور أخرى توثّق لقاءاته مع الجرحى والمصابين، وجلسته الهادئة في قصر القبة، وصورة مميزة تجمعه بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
مكتبتان وكنز وثائقي نادر
يضم المتحف مكتبتين تحتويان على أكثر من 1500 كتاب تناولت سيرة الرئيس السادات وتحليلات لسياسته وخطبه ومذكراته، بمختلف لغات العالم.
كما يوجد أرشيف صحفي ضخم يضم معظم الجرائد والمجلات التي كتبت عنه منذ مولده وحتى لحظة اغتياله في المنصة خلال العرض العسكري عام 1981.
وجهة سياحية وتاريخية في آن واحد
تحوّل متحف السادات إلى وجهة سنوية للآلاف، وخاصة في ذكرى انتصار أكتوبر. إذ تجاوز عدد الزائرين 15 ألف زائر سنويًا، بين طلاب وباحثين وسائحين، وبعضهم جاء من دول أجنبية خصيصًا للتعرف على سيرة الرجل الذي غيّر معادلة الصراع في الشرق الأوسط.
يختتم سامح الشحيمي حديثه مؤكدًا:
“متحف السادات ليس مجرد مكان لعرض مقتنيات، بل هو مدرسة في الوطنية، ومتحف لتعليم الأجيال معنى الشجاعة، والسلام، والتواضع. نحن نحاول أن نُبقي روحه حية، لا في الصور فقط، بل في الضمير الوطني لكل زائر يخرج من هنا وقد عرف من هو أنور السادات.”



















