الإسكندرية.. عروس البحر التي لا تشيخ
مع بداية كل صيف، تتجه أنظار ملايين المصريين والسائحين العرب والأجانب نحو الإسكندرية، المدينة التي تجمع بين عبق التاريخ وسحر الشواطئ وروح البحر الأبيض المتوسط. هنا، حيث الموج يداعب الرمال الناعمة، والنسيم العليل يختلط برائحة اليود القادمة من أعماق البحر، يجد الزائر نفسه أمام لوحة طبيعية وإنسانية لا مثيل لها.
هذا العام، تشهد الإسكندرية موسمًا صيفيًا استثنائيًا، ليس فقط بسبب ارتفاع درجات الحرارة والموجات الحارة التي دفعت الكثيرين إلى البحث عن نسمة بحرية هادئة، بل أيضًا بسبب الانتعاش الكبير في السياحة البحرية، وعودة الرحلات والنزهات داخل البحر بقوة بعد سنوات من التراجع النسبي.
من شواطئ بحري وقلعة قايتباي التاريخية، إلى ميناء الكور شرقًا، وصولًا إلى جزيرة نيلسون قبالة خليج أبو قير، تمتد الخيارات أمام عشاق البحر لتجربة مغامرات بحرية فريدة، تتنوع بين رحلات اليخوت الفاخرة، وجولات القوارب البسيطة حول القلاع الأثرية، ورحلات الصيد الممتعة، وصولًا إلى الغطس في مياه صافية تكشف عن أسرار تاريخية تحت الأمواج.
أولاً: مرسى اليخوت في بحري.. الفخامة تلتقي بالتاريخ
حين تذكر الرحلات البحرية في الإسكندرية، لا يمكن تجاوز مرسى اليخوت في منطقة بحري، أحد أشهر المراسي التي تستقطب الزائرين من مختلف الفئات. يقع المرسى على بعد خطوات من قلعة قايتباي، أحد أعظم المعالم التاريخية على ساحل المتوسط، والذي يعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر الميلادي، حين شيده السلطان الأشرف قايتباي لحماية المدينة من الغزوات البحرية.
اليوم، تحول المكان إلى نقطة انطلاق لعشرات الرحلات البحرية التي تجوب مياه الإسكندرية طوال اليوم. فمن هنا، يمكن للزائر أن يختار بين يخت فاخر مزود بكل وسائل الراحة، أو قارب صغير أكثر بساطة، لينطلق في جولة تمتد لساعات، يمر خلالها على أبرز معالم المدينة المطلة على البحر.
تفاصيل الرحلات والأسعار
رحلة الصباح التي تبدأ من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الثانية والنصف ظهرًا، تعتبر الخيار المفضل للعائلات ومحبي التصوير، حيث تشمل الرحلة جلسة تصوير فوتوغرافي محترفة، إضافة إلى مشروبات ساخنة وباردة. سعر هذه الرحلة يبلغ 250 جنيهًا للفرد، وهو مبلغ يرى كثيرون أنه مناسب مقابل التجربة التي تجمع بين الترفيه والراحة.
أما رحلة الغروب، التي تنطلق من الساعة الثالثة والنصف عصرًا وحتى السادسة والنصف مساءً، فهي الخيار الأمثل لعشاق الرومانسية ومتابعي الغروب، إذ تتحول مياه البحر إلى لوحة ذهبية مع اختفاء الشمس في الأفق. سعر هذه الرحلة 200 جنيه للفرد، وتشهد إقبالًا كبيرًا من الأزواج والشباب الباحثين عن أجواء هادئة وخلابة.
ثانياً: قوارب قلعة قايتباي.. جولة حول التاريخ
من أمام قلعة قايتباي مباشرة، تتناثر قوارب صغيرة ومتوسطة الحجم، بانتظار الركاب الراغبين في القيام بجولة بحرية قصيرة، لكن ممتعة، حول القلعة الأثرية. هذه الجولة، التي تبدأ أسعارها من 50 جنيهًا فقط للفرد، تتيح للزائر رؤية القلعة من زوايا جديدة، حيث تظهر الحجارة الضخمة وهي تتحدى الأمواج منذ مئات السنين، وتروي قصة الدفاع عن المدينة في وجه الغزاة.
خلال الجولة، يمكن للركاب مشاهدة الساحة الواسعة للقلعة، وأبراجها الدفاعية، كما يمكنهم الاستمتاع بمشهد المدينة وهي تمتد خلفهم على طول الساحل. وفي بعض الأيام، يسمح صفاء المياه برؤية أجزاء من الأساسات القديمة تحت سطح البحر، وهي مشاهد تثير إعجاب محبي التاريخ والآثار.
ثالثاً: ميناء الكور.. من صيد السمك إلى رحلات التنزه
على بعد عدة كيلومترات شرق وسط الإسكندرية، يقع ميناء الكور، وهو ميناء صغير لكن نابض بالحياة، يجمع بين الصيادين المحترفين وهواة الصيد، وبين القوارب المخصصة للعمل وأخرى مهيأة لاستقبال الركاب في رحلات بحرية.
في الصباح الباكر، يعج المكان بالحركة، حيث يعود الصيادون بشباكهم الممتلئة بما جادت به مياه البحر من أسماك طازجة، ويبيعونها مباشرة للزبائن دون وسطاء. أما بعد الظهر، ومع هدوء الأمواج، تبدأ القوارب في نقل الركاب إلى جولات بحرية حول الجزيرة القريبة، والتي تتميز بمياه صافية ووجود آثار رومانية قديمة تحت سطح البحر.
سعر الرحلة من ميناء الكور لا يتجاوز 50 جنيهًا للفرد، وهو ما يجعلها خيارًا شعبيًا مفضلًا لدى الكثيرين، خاصة العائلات التي ترغب في قضاء وقت ممتع دون إنفاق مبالغ كبيرة.
رابعاً: ميناء أبو قير وجزيرة نيلسون.. متعة الغطس والصيد
في أقصى شرق الإسكندرية، يقع ميناء أبو قير، المعروف بتاريخ معركة بحرية شهيرة في أواخر القرن الثامن عشر بين الأسطولين الفرنسي والبريطاني. اليوم، تحول الميناء إلى نقطة انطلاق لرحلات بحرية نحو جزيرة نيلسون، وهي جزيرة صغيرة تبعد نحو أربعة كيلومترات عن الساحل.
تتميز الجزيرة بأنها مقصد لهواة الصيد والغطس، حيث تحيط بها مياه صافية تكشف عن عالم بحري غني بالشعاب المرجانية والأسماك الملونة. كما تشهد المنطقة إقبالًا من المصورين تحت الماء، الذين يجدون في قاع البحر حول الجزيرة لوحات طبيعية مذهلة.
الرحلة إلى الجزيرة تعتبر مغامرة حقيقية، إذ يمكن للزائر النزول إلى الشاطئ الصغير للجزيرة، أو البقاء على القارب والاستمتاع بالمنظر البانورامي للساحل من بعيد.
الإسكندرية.. أكثر من مجرد بحر
ما يميز الرحلات البحرية في الإسكندرية، أنها ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي نافذة على تاريخ وثقافة المدينة. فمن خلال الإبحار، يكتشف الزائر أن كل منطقة من الساحل تحمل قصة مختلفة، من الأساطير القديمة عن ملوك وبحارة، إلى قصص الصيادين المعاصرين الذين يواصلون تقاليد أجدادهم.
كما أن هذه الرحلات تدعم الاقتصاد المحلي، من خلال توفير فرص عمل للصيادين وأصحاب القوارب، وتنشيط حركة السياحة، وجذب الزوار إلى المطاعم والمقاهي والمحلات المحيطة بالمراسي.





