على امتداد كورنيش الإسكندرية، حيث تتمازج نسمات البحر الأبيض المتوسط بعبق التاريخ، تقف بعض المعالم التي ما زالت تحتفظ بعبير الماضي ورونق الطراز المعماري القديم. وفي قلب منطقة جليم الهادئة، التي تعد من أبرز مناطق “عروس البحر المتوسط”، تبرز تحفة معمارية فريدة قلّ نظيرها، إنها قصر عزيزة هانم فهمي، الذي يعود تاريخه إلى مطلع القرن العشرين، ويقف شامخًا كشاهد على عصور من الثراء الثقافي والمعماري الذي ميز المدينة.
عودة النور إلى القصر.. لمسة تجديد تحيي الجمال الكلاسيكي
خلال الأيام القليلة الماضية، عاد القصر إلى دائرة الضوء حرفيًا بعد أن أُعيدت إليه الإضاءة الخارجية عقب أعمال ترميم دقيقة، مما أضفى عليه وهجًا خاصًا جعل المارة على الكورنيش يتوقفون أمامه مندهشين من روعته. بات القصر الآن نقطة جذب بصرية متميزة تضفي على الكورنيش لمسة من الفخامة العتيقة التي تفتقدها الكثير من البنايات الحديثة.
موقع استثنائي وتاريخ عريق
يقع القصر على مساحة تبلغ نحو 15 ألف متر مربع في موقع استراتيجي متميز مباشرة على شاطئ جليم، وتحديدًا في منطقة تعرف قديمًا بـ”جليمونوبلو”. يطل القصر على البحر بشكل مباشر، بحيث يمكن مشاهدة صفحة المياه الفيروزية من معظم نوافذه، في مشهد يذكر بزمن القصور والمصايف الملكية. ولا تزال ملامح القصر كما هي تقريبًا، تحاكي ذلك الزمن الذي كانت فيه الفخامة المعمارية جزءًا من الحياة اليومية للطبقة الأرستقراطية.
القصر كان مملوكًا لـعزيزة هانم فهمي، كريمة المهندس الكبير علي باشا فهمي، الذي كان يشغل منصب كبير مهندسي القصر الملكي في عهد الملك فؤاد. وقد بُني القصر ليكون مصيفًا شخصيًا لها بعد زواجها من محمد باشا رفعت الروزنامجي، أحد الشخصيات الرفيعة في الإدارة المصرية آنذاك.
توقيع إيطالي على جدران مصرية
تصميم القصر حمل توقيع المهندس الإيطالي الشهير “جرانتوا”، الذي كان آنذاك أحد الأسماء البارزة في عالم العمارة بمصر. اللافت أن “جرانتوا” هو نفسه من قام بتشييد قصر المجوهرات الشهير، الذي كان مملوكًا لشقيقة عزيزة هانم، زينب فهمي، ويقع أيضًا في نفس المنطقة. ويتشابه القصران في تفاصيل معمارية كثيرة، من حيث استخدام الزخارف الأوروبية والقباب والنوافذ المقوسة والأسقف المزخرفة.
ووفقًا لما أكده إسلام محمد، الباحث الأثري المتخصص في العمارة الكلاسيكية، فإن قصر عزيزة هانم يمثل مثالًا واضحًا على الطراز النيوكلاسيكي، وهو طراز معماري كان شائعًا في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، ويستقي إلهامه من العمارة اليونانية القديمة بما تحمله من أعمدة ضخمة وتفاصيل زخرفية دقيقة، تعكس هيبة الملوك ورقيّ الحقب الكلاسيكية.
جليم.. من محامٍ يوناني إلى حي مصري راقٍ
ولفهم الطابع الذي تتسم به منطقة جليم، لا بد من العودة إلى أصل تسميتها. فقد جاءت تسمية “جليم” نسبة إلى جليم نوبولوس، وهو محامٍ ودبلوماسي يوناني ولد عام 1833، درس الحقوق، وانخرط في العمل الدبلوماسي ضمن السلك القنصلي اليوناني قبل أن يستقيل ويقرر الإقامة في مصر عام 1880.
عمل نوبولوس محاميًا في المحكمة المختلطة بالإسكندرية، واهتم بجمع القطع الأثرية القديمة، التي أهدى عددًا كبيرًا منها إلى المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية عند تأسيسه، وهو ما جعله يحظى بتكريم خاص من الخديوي عباس حلمي الثاني الذي منحه الوسام العثماني تقديرًا لجهوده الثقافية. وكان لجليم نوبولوس منزل على البحر مباشرة، وعندما تم تخطيط الكورنيش لاحقًا، أُطلق على المنطقة اسم “جليمونوبلو”، الذي اختُصر مع الوقت إلى “جليم”.
ماضٍ حربي على الشاطئ الهادئ
لم يكن الشاطئ المقابل للقصر مجرد وجهة للنزهة والصفاء، فقد شهدت تلك البقعة معسكرًا من معسكرات الحرب العالمية الأولى، حيث أقيمت مستشفيات نقاهة للجنود المصابين، في دلالة على الدور الاستراتيجي الذي لعبته الإسكندرية خلال الحروب الكبرى في القرن العشرين.
إرث معماري وسط زحف الخرسانة
في وقت باتت فيه العمارات السكنية الشاهقة تبتلع ملامح المدينة القديمة، يظل قصر عزيزة فهمي شاهدًا فريدًا على طراز معماري راقٍ يجمع بين الفخامة الأوروبية والهوية المصرية، ويمنح كورنيش الإسكندرية لمحة من زمن الأناقة والهدوء. فالقصر ليس مجرد مبنى، بل هو قطعة من الذاكرة الحية للمدينة، يحتاج إلى مزيد من الحماية والاهتمام ليبقى رمزًا لجمال لا تغلبه السنوات.





