محافظات بلدنا

الإسكندرية وفنارات المكس: من الفنار الأول لعجائب الدنيا إلى «الأعمى» و«الواطي» الحديث

تُعرف مدينة الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، بتراثها العريق ومكانتها التاريخية، حيث لم تقتصر شهرتها على شواطئها الساحرة أو معالمها الأثرية، بل شملت أيضًا فناراتها التي لعبت دورًا محوريًا في حماية السفن وإرشادها على مدى قرون طويلة. فمنذ العصور القديمة، كانت الإسكندرية مطمعًا للغزاة والمستكشفين، ما جعل الحاجة إلى منارات وفنارات قوية ودائمة أمرًا ملحًا، لضمان عبور السفن بأمان إلى موانئ المدينة ومرافقها البحرية الحيوية.

في هذا التقرير، نسلط الضوء على كافة التفاصيل المتعلقة بفنارات الإسكندرية، بدءًا من أول فنار عظيم بني على شبه جزيرة فاروس، وصولًا إلى الفنارات الحديثة التي تزين شواطئ المكس وميناء المدينة، مستعرضين تاريخها، تصميمها المعماري، وظيفتها، وأهميتها الثقافية والسياحية.

الإسكندرية وفنارات المكس: من الفنار الأول لعجائب الدنيا إلى «الأعمى» و«الواطي» الحديث
الإسكندرية وفنارات المكس: من الفنار الأول لعجائب الدنيا إلى «الأعمى» و«الواطي» الحديث

أول فنار في الإسكندرية: من عجائب الدنيا السبع إلى قلعة قايتباي

يعد فنار الإسكندرية القديم أحد أعظم المعالم التاريخية في العالم، وكان يُصنف ضمن عجائب الدنيا السبع القديمة. تم تشييده في القرن الثالث قبل الميلاد، خلال حكم بطليموس الثاني، على شبه جزيرة فاروس في طرفها الشرقي، ليكون دليلاً للسفن القادمة والخارجة من الميناء.

وظل الفنار علامة بارزة في تاريخ المدينة لعدة قرون، حيث لم يقتصر دوره على الإرشاد البحري، بل كان بمثابة رمز للقوة والسيطرة البحرية للإسكندرية في العصور البطلمية. لكن مع مرور الزمن، لم تسلم المنارة من كوارث الزمان، إذ تعرضت لهزات أرضية قوية، منها زلزال عام 955م الذي أدى إلى هدم نحو 30 قدمًا من أعلاها، وزلزال آخر عام 1303م ضرب شرق البحر المتوسط، ما دمر حصون الإسكندرية وأسوارها ومنارتها.

في عام 1477م، أمر السلطان الأشرف قايتباي ببناء قلعة قايتباي على أنقاض الفنار القديم، لتصبح القلعة اليوم رمزًا تاريخيًا يمزج بين الوظيفة الدفاعية والجمالية المعمارية، بينما بقيت ذكرى الفنار القديم شاهدة على عظمة الهندسة البحرية في العصر البطلمي.


الفنار الأعمى: جمال وهدوء على صخرة المكس

من بين فنارات الإسكندرية، يبرز الفنار الأعمى، الذي يقع على صخرة مواجهة لشاطئ المكس قبل رصيف البترول، ويُعد من أجمل الفنارات في العالم، سواء من حيث الموقع أو التصميم المعماري. يبلغ عمر هذا الفنار أكثر من مئة عام، ويتميز بجسر خشبي ممتد إلى الشاطئ الصخري، إضافة إلى قبة نحاسية تتوسط البرج، موجهة الضوء نحو جزيرة صخرية في البحر.

أُطلق عليه لقب “الفنار الأعمى” أو “المنارة العامية” بعد أن أُطفئت أنواره في عام 1908، ولم يعد يرشد السفن كما كان في السابق، بل تحول إلى برج للإشارة فقط. السبب في ذلك يعود إلى وجود فنارين آخرين هما فنار المكس الصغير وفنار المكس الكبير، اللذان شُيدا عامي 1890 و1891، وتم تفعليهما رسميًا عام 1894، ما جعل الحاجة إلى الفنار الأعمى أقل.

على الرغم من توقف دوره التقليدي، لا يزال الفنار الأعمى رمزًا ثقافيًا وسياحيًا، ويجذب عشاق التصوير والباحثين عن المواقع التاريخية، لما يتمتع به من جمال طبيعي وإطلالة بحرية ساحرة، تجسد روح الإسكندرية القديمة، حيث تلتقي الحضارة بالبحر في تناغم فريد.

73928 IMG 4769


فنار المكس: العالي والمنخفض

تُعد منطقة المكس من أكثر المناطق البحرية غنى بالفنارات، حيث تحتوي على فنارين رئيسيين: الفنار العالي والفنار المنخفض.

الفنار المنخفض: “الفنار الواطي”

أُنشئ الفنار المنخفض، المعروف بالعامية باسم “الفنار الواطي”، عام 1905، وتم تجديده عدة مرات لاحقًا، ويبلغ ارتفاعه 38 مترًا. يتميز بتقنيات حديثة لإضاءة المراكب، ومرايا عاكسة ترسل الضوء لمسافة تصل إلى 3 أميال بحرية، مما يضمن إرشاد السفن عند دخولها إلى ميناء الإسكندرية. كما أن جسمه مصمم لمقاومة الرطوبة والتعرية البحرية، وهو مزود بمانعة صواعق لحمايته من العوامل الطبيعية القاسية.

الفنار العالي: “فنار المكس العالي”

على بعد نحو 200 متر خلف الفنار الواطي، يقع فنار المكس العالي، المبني على هضبة مرتفعة. يكمل هذا الفنار عمل “الفنار الواطي” في الإشارة البحرية، ويعمل بتقنيات مشابهة، لضمان توجيه السفن الصغيرة واليخوت والمراكب السياحية في مياه الإسكندرية البحرية.

يُعد فنارا المكس من بين الكلاسيكيات السينمائية، حيث ظهرا في فيلم “الوهم” الذي جمع بين محمود يس ونيلي وعمر الحريري، وهو الفيلم الذي أضفى شهرة خاصة على فنار المكس، وجعله من معالم الإسكندرية التي لا تُنسى.


استخدام الفنارات عبر العصور

يؤكد محمد سعيد، خبير الآثار، أن فنار الإسكندرية القديم كان يستخدم منذ القدم لإرشاد السفن والمراكب الحربية إلى الميناء، ولم يكن مجرد معلم سياحي، بل كان جزءًا من منظومة الحماية البحرية للمدينة.

وأضاف أن فنارات الإسكندرية بنيت على مر عصور مختلفة، وتنوعت بين الفنية المعمارية الحديثة والقديمة، إلا أن معظمها لم يعد يعمل حاليًا، لكنها بقيت رموزًا تراثية، مثل الفنار الأعمى الذي لم يعد يرشد السفن ولكنه يُدرج في الخرائط الملاحية كمعلم تاريخي.

أما الفنار الموجود بالميناء الشرقي، بالقرب من قلعة قايتباي، فيستخدم اليوم لتوجيه السفن الصغيرة واليخوت السياحية، ويعمل بكفاءة عالية، مؤكدًا استمرار دور الفنارات في دعم الحركة البحرية للمدينة رغم مرور قرون على بنائها.


الفنارات كمعالم سياحية وثقافية

لا يقتصر دور فنارات الإسكندرية على الجانب البحري فحسب، بل أصبحت وجهة سياحية وثقافية تستقطب الزوار المحليين والأجانب على حد سواء. فالفنار الأعمى، بلمساته المعمارية الفريدة، يشكل نقطة جذب للمهتمين بالتصوير والطبيعة البحرية، بينما يُعد فنار المكس العالي والواطي جزءًا من الرحلات البحرية واليخوت التي تستمتع بمشاهدة الشواطئ الصخرية والغروب الساحر للبحر المتوسط.

تُظهر هذه الفنارات كيف أن الإسكندرية جمعت بين التراث التاريخي والجمال الطبيعي، لتصبح المدينة ليست مجرد ميناء تجاري أو عاصمة سياحية، بل مركزًا حضاريًا يروي تاريخ البحر الأبيض المتوسط عبر معالمه الثابتة على الساحل.


العمارة البحرية للفنارات

تتنوع الهياكل المعمارية للفنارات في الإسكندرية بين القديمة والحديثة، لكنها جميعًا تشترك في الخصائص الأساسية التي تجعلها صامدة أمام الرياح والأمواج والعوامل الجوية. على سبيل المثال:

  • الفنار الأعمى: يعتمد على قاعدة صخرية صلبة، وجسر خشبي يربطه بالشاطئ، مع قبة نحاسية تعكس الضوء.

  • فنار المكس الواطي والعالي: بنيت باستخدام مواد مقاومة للرطوبة، مزودة بمرايا عاكسة وأنظمة إنارة حديثة.

  • فنار الميناء الشرقي: تصميم عملي مبسط، يركز على وظيفة الإرشاد البحري للسفن الصغيرة واليخوت.

توضح هذه الهياكل كيف تطورت الهندسة البحرية عبر العصور، وكيف استجاب المهندسون للتحديات الطبيعية مع الحفاظ على الجمالية البصرية للفنار.


فنارات الإسكندرية في الثقافة الشعبية

لا يمكن الحديث عن فنارات الإسكندرية دون الإشارة إلى دورها في السينما والأدب المصري. فقد جسدت العديد من الأفلام والمسرحيات جمال وسحر الفنارات، مثل فيلم “الوهم” الذي صور فنار المكس وأظهره كجزء لا يتجزأ من هوية المدينة البحرية. كما أن الفنارات أصبحت مصدر إلهام للكتاب والفنانين الذين استلهموا منها رمزية الإرشاد والحماية والثبات عبر الزمن.

202508200920432043


فنارات الإسكندرية بين الماضي والحاضر

تظل فنارات الإسكندرية شاهدًا حيًا على تاريخ المدينة العريق، ورمزًا للعبور الآمن للسفن منذ العصور القديمة وحتى اليوم. من فنار فاروس العتيق، أحد عجائب الدنيا السبع، إلى الفنار الأعمى وفنارات المكس، يعكس كل منها قصة هندسية وتاريخية فريدة، تجمع بين الأهمية العملية والجمال الساحلي، وتجسد روح الإسكندرية كميناء عالمي وحاضرة ثقافية عريقة.

على الرغم من أن بعض الفنارات توقفت عن العمل، فإنها بقيت معالم تراثية وسياحية، تعكس براعة الإنسان في مواجهة الطبيعة، وحفاظه على رموز حضارته البحرية. وتستمر هذه المعالم في جذب الزوار والباحثين عن التاريخ والثقافة، لتظل الإسكندرية مدينة الفنارات ومرسى السفن والأساطير البحرية.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى