محافظات بلدنا

كوم الدكة.. المسرح الروماني الذي تحول إلى جامعة الإسكندرية القديمة

الأسكندرية

تظل محافظة الإسكندرية واحدة من أهم المدن المصرية التي تزخر بكنوز أثرية وتاريخية تمتد جذورها عبر العصور المختلفة، من اليوناني والروماني مرورًا بالعصر الإسلامي وحتى الحديث، مما يجعلها مدينة فريدة من نوعها. فقد كانت الإسكندرية عبر التاريخ ملتقى للحضارات وميناءً مفتوحًا للعالم، استقرت فيها جنسيات متعددة من اليونانيين والإيطاليين والأرمن وغيرهم، لتكتسب المدينة لقب “الكوزموبوليتان” — أي المدينة المتعددة الثقافات — وهو وصف يليق بها تمامًا لما تحمله من مزيج إنساني وثقافي لا مثيل له.

هذا التنوع الحضاري والثقافي انعكس بوضوح على شخصية أبناء الإسكندرية، الذين ورثوا عن مدينتهم الانفتاح والفكر المتعدد والمعرفة الواسعة بالشعوب التي عاشت بينهم، بل إن كثيرين منهم ارتبطوا بعلاقات وصداقة مع أسر تنتمي لتلك الجنسيات التي أسهمت في تشكيل هوية المدينة الفريدة.

ومن بين المعالم الأثرية البارزة التي تجسد عبق التاريخ السكندري وتروي قصة الحضارات التي مرت على هذه المدينة العريقة، منطقة آثار كوم الدكة الواقعة في قلب المدينة، بالقرب من شارع فؤاد الشهير، والتي تحتضن أحد أهم الاكتشافات الأثرية في الإسكندرية: المسرح الروماني أو المسرح اليوناني، الذي يعد شاهدًا حيًا على تاريخ طويل من العلم والفن والتعليم.


المسرح الروماني في كوم الدكة.. تحفة معمارية من القرن الرابع الميلادي

يُعد مسرح كوم الدكة من أبرز الشواهد الأثرية الباقية من العصر الروماني، وقد تم تشييده في بداية القرن الرابع الميلادي بتصميم هندسي فريد على شكل حدوة حصان (U)، ويتألف من 13 صفًا من المدرجات الرخامية المرقمة بحروف وأرقام يونانية لتنظيم عملية الجلوس، بحيث يسهل على الحاضرين الوصول إلى مقاعدهم في نظام دقيق يدل على الرقي الحضاري آنذاك.

تتسع المدرجات لنحو 600 شخص، وهي مصنوعة من الجرانيت الوردي، في حين يعلوها خمس مقصورات لم يتبق منها اليوم سوى مقصورتين فقط. وقد كانت هذه المقصورات ذات أسقف مقببة ترتكز على أعمدة حجرية ضخمة، ما يعكس براعة المهندسين في تصميم مبانٍ تجمع بين الجمال والصلابة.

أما من الناحية الهندسية، فقد استندت المدرجات على جدار داخلي سميك من الحجر الجيري، يحيط به جدار خارجي متين يربط بينهما عدد من الأقواس والأقبية، لتشكل معًا نظامًا معقدًا من الدعم يمنح المبنى استقرارًا هائلًا. كما يضم المدخل الغربي للمسرح صالتين من الموزاييك تزينهما زخارف هندسية بديعة، تضيف إلى المكان طابعًا فنيًا راقيًا يدل على مكانته الثقافية في تلك الحقبة.


اكتشاف الأثر بالصدفة أثناء البحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر

قصة اكتشاف هذا الأثر العريق لا تقل إثارة عن تاريخه نفسه، فقد تم العثور على منطقة كوم الدكة الأثرية بمحض الصدفة عام 1960 أثناء أعمال التنقيب التي كانت تجريها البعثة البولندية بالتعاون مع السلطات المصرية، في محاولة للعثور على مقبرة الإسكندر الأكبر التي ظلت لغزًا يحير العلماء لقرون طويلة.

لكن المفاجأة الكبرى كانت حينما كشفت أعمال الحفر عن مدرج رخامي ضخم بدلاً من المقبرة المنشودة، لتعلن البعثة البولندية عن اكتشاف المسرح الروماني الذي تحول إلى حديث الأوساط العلمية والأثرية في ذلك الوقت. وقد استمر التنقيب في الموقع قرابة ثلاثة عقود من العمل المتواصل، حتى تكشفت ملامح المكان بالكامل، بما في ذلك الحمامات والقاعات والممرات الرومانية.

ورغم أن الأثريين أطلقوا عليه اسم “المسرح الروماني” عقب اكتشاف الدرجات الرخامية، فإن الجدل ظل قائمًا حول وظيفته الأصلية. فهل كان فعلًا مسرحًا للفنون، أم قاعة للمحاضرات والمناظرات الفكرية؟ هذا السؤال ظل مفتوحًا إلى أن كشفت البعثة البولندية، بالتعاون مع جامعة الإسكندرية، في فبراير 2004 عن مجموعة من القاعات الدراسية المجاورة للمدرج، ما غير وجه التفسير التاريخي للموقع بالكامل.


من مسرح للفنون إلى جامعة علمية في العصر البيزنطي

تؤكد الاكتشافات الحديثة أن هذا المدرج لم يكن مخصصًا فقط للعروض الفنية أو الموسيقية، بل كان أيضًا قاعة كبرى للمحاضرات والمناظرات الأكاديمية، بل يمكن القول إنه كان أشبه بما يشبه “جامعة الإسكندرية القديمة”.

إلى جانب المسرح، تم العثور على 22 قاعة دراسية مستطيلة الشكل، تعود للعصرين الروماني والبيزنطي، بعضها يطل على رواق المدرج، والبعض الآخر يتجه نحو الحمامات العامة. وتضم هذه القاعات صفوفًا من المقاعد الحجرية المتدرجة، ومكانًا بارزًا للأستاذ في منتصف الجدار الجنوبي يشبه المنصة أو الكرسي المرتفع.

هذه البنية التعليمية المتكاملة تعطي انطباعًا واضحًا بأن المنطقة كانت مركزًا أكاديميًا وفلسفيًا متقدمًا، حيث كان الطلاب يدرسون فيها الطب والفلسفة والعلوم الإنسانية، ليصبحوا بعد تخرجهم قادة فكر وأصحاب مناصب مرموقة في الدولة.


شهادة خبير: كوم الدكة جامعة عريقة توازي أكسفورد قديمًا

يقول الدكتور محمد سعيد، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، إن منطقة كوم الدكة تعد من أهم المواقع الأثرية في المدينة، إذ تقدم نموذجًا نادرًا لتطور الحياة التعليمية في العصور القديمة. ويشير إلى أن المدرجات كانت تُستخدم في البداية كصالة لاستماع الموسيقى خلال العصر الروماني، ثم تحولت في العصر البيزنطي إلى قاعة للاجتماعات والدروس العلمية.

ويضيف أن القاعات المكتشفة تمثل نظامًا أكاديميًا متكاملًا شبيهًا بما نعرفه اليوم في الجامعات الكبرى، حيث كان الطلاب يجتمعون لتلقي المحاضرات في جو علمي منظم، وتُعد هذه التجربة بمثابة نواة للتعليم الجامعي في العصور القديمة.

وأكد الدكتور سعيد أن خريجي هذه القاعات كانوا يتقلدون مناصب رفيعة في الدولة، وأن الإسكندرية كانت حينها مركزًا عالميًا للفكر والعلم، تضاهي مكانة جامعة أكسفورد في العصر الحديث، وهو ما يعزز من مكانة المدينة التاريخية كمنارة للمعرفة عبر العصور.


كوم الدكة.. ذاكرة مدينة لا تنام

اليوم، تمثل آثار كوم الدكة أحد أهم المقاصد السياحية والثقافية في الإسكندرية، حيث يتوافد عليها الزوار من مختلف دول العالم لاكتشاف أسرار الماضي. فالمنطقة تجمع بين الطابع الأثري والفني والتعليمي، وتروي بفخر قصة مدينة احتضنت المسرح والعلم في آنٍ واحد.

وإلى جوار المسرح والقاعات، تحتضن المنطقة بقايا حمامات رومانية ومساكن أثرية قديمة، إضافة إلى متحف مفتوح يضم مقتنيات تم اكتشافها أثناء الحفريات، لتبقى كوم الدكة بمثابة متحف حي مفتوح يحكي فصولًا من تاريخ الإسكندرية المتنوع والممتد عبر العصور.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى كوم الدكة كمجرد أطلال حجرية صامتة، بل هي شاهد على تفاعل الإنسان مع المكان عبر الزمن، وتجسيد حي لمسيرة مدينة حملت على عاتقها رسالة الثقافة والعلم منذ آلاف السنين، ولا تزال حتى اليوم تنبض بالحياة والتاريخ والجمال.

60589 صورة للمسرح 71134 المسرح الرومانى 155040 جانب من الموقع الأثرى 224234 احد القطع الأثرية 260632 المسرح

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى