محافظات بلدنا

“سور الإسكندرية القديم.. شاهد حجري على مجد المدينة الساحلية عبر العصور”

رغم اندثار معظم ملامحه، يظل سور الإسكندرية القديم أحد أبرز الشواهد التاريخية التي تقف صامتة على أطراف المدينة، حاملة في أحجارها روايات تأسيس وحروب وتحولات حضارية، ما زالت تُحكى بين سكانها وعشاق آثارها. فالسور الذي شُيّد لحماية المدينة التي أسسها الإسكندر الأكبر، أصبح اليوم قطعة من ذاكرة الإسكندرية القديمة، وجزءًا نادرًا من ملامحها العمرانية الأولى.

نشأة السور وفكرته: المدينة التي وُلدت محصنة

مع تأسيس مدينة الإسكندرية عام 331 قبل الميلاد، أدرك الإسكندر الأكبر أهمية تحصينها بسور عسكري يضمن أمنها من أي تهديد خارجي. فقرر أن يُحيط المدينة بسور ضخم يمتد لحوالي 10 كيلومترات، يضم في بنيانه أبراجًا للمراقبة وخنادق يمكن ملؤها بمياه البحر عند الحاجة، لتشكل دفاعًا مزدوجًا يعكس عبقرية التخطيط العسكري آنذاك.

وقد استمر السور في أداء دوره على مدار قرون، وازداد تطوره خلال الفترات الإسلامية المختلفة التي شهدت توسعًا في هيكله وبواباته. كان السور بمثابة العمود الفقري الدفاعي للإسكندرية، ومع مرور الزمن أصبح جزءًا أصيلاً من بنيتها العمرانية والسياسية.

أبواب الإسكندرية: ستة مداخل للمدينة القديمة

تعددت أبواب السور، وتنوعت استخداماتها ما بين أغراض دفاعية وتجارية وإدارية. ومن أبرز هذه الأبواب:

  • الباب الشرقي (باب شرقي أو باب رشيد)

  • باب سدرة

  • الباب الأخضر

  • الباب الجديد

  • الباب السوري

  • باب عمر باشا

ورغم أن معظم هذه الأبواب اندثرت تمامًا، إلا أن الباب الشرقي هو الوحيد الذي بقيت منه بعض البقايا شاهدة على عظمة الماضي، ويقع اليوم في محيط استاد الإسكندرية، الذي يحمل بين جنباته جزءًا من إرث المدينة العريق.

الباب الشرقي.. المدخل الملكي لمدينة الألف وجه

أخذ الباب الشرقي تسميته من موقعه في شرق المدينة، والمواجه لطريق رشيد، وكان يعرف أيضًا باسم “باب رشيد”، لكونه كان بوابة الدخول من جهة دلتا النيل.

ووفق ما أكده الدكتور محمد عبد الرازق، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، فإن الباب الشرقي لم يكن مجرد مدخل، بل كان رمزًا للسلطة والهيبة، حيث استخدمه السلاطين والحكام كمدخل رسمي للمدينة، في دلالة واضحة على مكانته الاستراتيجية والسياسية.

وأضاف عبد الرازق، في تصريحات خاصة لـ”اليوم السابع”، أن الموقع الحالي للباب يقع بين حديقة الشلالات واستاد الإسكندرية، لكن الكثير من المواطنين يمرون بجواره دون أن يدركوا الأهمية التاريخية لتلك الأحجار الصامتة.

مواصفات السور وبنيته المعمارية: تحصين ذكي ومعقد

يتكون السور من قسمين رئيسيين: سور داخلي وسور خارجي، يفصل بينهما ممر يبلغ عرضه 12 مترًا. ويصل ارتفاع السور الداخلي إلى نحو 10 أمتار، فيما يرتفع السور الخارجي بمقدار مماثل، مما شكل طبقة دفاعية مزدوجة.

وقد ضم السور نحو 100 برج مراقبة، لم يتبق منها سوى أربعة أبراج فقط، من بينها البرج الشرقي الذي لا يزال قائمًا في الجزء الجنوبي الشرقي من استاد الإسكندرية، ويبلغ مساحته 333 مترًا مربعًا. أما البرج الغربي فيقع داخل حدائق الشلالات.

كما كانت البوابات الأربع الرئيسية للسور تُصنع من خشب الجميز، ومغطاة بصفائح معدنية لتزيد من متانتها، وكانت تُسقط على الأرض عند الفتح، في أسلوب دفاعي يكشف عن عبقرية تصميمية مميزة.

أما الخندق المحيط بالسور، فكان يُستخدم كوسيلة دفاع مائي، حيث يتم إطلاق مياه البحر فيه عند الضرورة لعرقلة تقدم القوات المهاجمة.

سقوط السور: زلزال وانهيار بطيء

لم يصمد سور الإسكندرية أمام الكوارث الطبيعية والتطورات العمرانية الحديثة، فقد تعرض لأضرار جسيمة خلال زلزال مدمر ضرب المدينة عام 702 ميلادية، مما أدى إلى تهدم أجزاء كبيرة منه. لكن النهاية الفعلية للسور جاءت في عام 1882 مع التوسعات المدنية والتحديثات العمرانية التي شهدتها المدينة، حيث اكتمل هدم بقاياه، قبل أن تختفي معالمه بشكل شبه كامل عام 1885.

تراث منسي في قلب المدينة

ورغم أن بقايا السور ما زالت موجودة في مواقع بارزة مثل حديقة الشلالات واستاد الإسكندرية، إلا أن وعي المواطنين بوجودها وأهميتها ما زال ضعيفًا، وهو ما أشار إليه الدكتور عبد الرازق بقوله: “العديد من أبناء المدينة لا يعلمون أن هذه البقايا الحجرية تمثل جزءًا من ذاكرة المدينة، بل ومن تاريخ مصر العسكري والعمراني”.

وفي ظل جهود إعادة اكتشاف التراث، تبقى الدعوة مفتوحة لتوثيق ما تبقى من السور وإبرازه في المشهد الثقافي للمدينة، سواء من خلال تطوير المواقع المحيطة به، أو إدماجه ضمن المسارات السياحية والتاريخية التي تعيد لأهل الإسكندرية وزائريها حكاية مدينة تنبض بالحياة منذ أكثر من ألفي عام.

40020 الباب الشرقى للاسكندرية 66759 172273 اجزاء متبقية من الباب الشرقى 114414 محتويات الباب الشرقى 135716 جزء من سور الاسكندرية

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى