دينا زكريا
تعد مدينة القصير بمحافظة البحر الأحمر واحدة من أبرز المحطات التعدينية في مصر والعالم خلال القرن الماضي، بعدما شهدت طفرة في استخراج الفوسفات بفضل الاستثمارات الإيطالية، التي دشنت مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، محولة المدينة الهادئة إلى مركز صناعي ضخم ومجتمع مزدهر.
البداية كانت عام 1912، مع وصول البعثة الإيطالية التي أسست “الشركة المصرية الإيطالية لإنتاج الفوسفات” بتمويل من بنك روما الدولي، وهو ما فتح الباب أمام استيطان مئات الإيطاليين في المدينة، ليقيموا مستعمرة متكاملة تضم مساكن ومرافق وخدمات، ويستقروا فيها لعقود، معتمدين على العمالة المصرية الوافدة من مختلف المحافظات، لا سيما من صعيد البلاد.
وفي هذا الإطار، يقول محمد أبو الوفا، مدير آثار البحر الأحمر، إن الإيطاليين قاموا بتشييد حي متكامل أطلق عليه “المستعمرة”، ضم أطباء ومدرسين وخبازين وحلاقين، مما شكّل نواة لمجتمع صناعي متكامل استمر لأكثر من 50 عامًا.
ويضيف أبو الوفا أن الشركة كانت تدير ثمانية مناجم للفوسفات، واستخدمت تقنيات متطورة آنذاك لنقل الخام، أبرزها التلفريك والقطارات، التي كانت تربط مواقع التعدين بميناء القصير، لافتًا إلى أن الميناء شهد في عام 1916 حدثًا فارقًا تمثل في إبحار أول سفينة محملة بالفوسفات في الشرق الأوسط إلى الخارج.
وحملت السفينة، التي كانت تُدعى “كافى”، أول شحنة مصرية من الفوسفات إلى الهند، في سابقة تاريخية عززت مكانة القصير كمركز لتصدير الثروة المعدنية.
ويتابع: “كانت تلك المرحلة تتسم بحيوية غير مسبوقة، إذ بلغ عدد العاملين بالشركة آلاف العمال والفنيين، ما جعل القصير محطة رئيسية لإنتاج الفوسفات في المنطقة الشرقية، فضلًا عن دورها السابق كميناء لحجاج بيت الله الحرام قبل تطورها الصناعي”.
من جانبه، يروي وصفى تمير، أحد أبناء القصير والمهتمين بتاريخها، أن الإيطاليين تركوا خلفهم إرثًا إنسانيًا لا يقل أهمية عن ثروات الأرض، أبرزها “مقابر الإيطاليين”، وهي مدفن صغير يضم 25 قبراً لإيطاليين وطفل، صُممت بطريقة بسيطة ولكن فريدة، حيث استخدم فيها ألواح رأسية وأفقية مدببة بدلاً من القبور الحجرية المعتادة.
ويضيف تمير أن بعض العائلات الإيطالية قامت لاحقًا بنقل رفات ذويها إلى إيطاليا عبر طائرة خاصة، فيما بقيت صناديق النقل الفارغة بالقرب من المقابر، شاهدة على العلاقة التي ربطت الإيطاليين بتلك الأرض.
وفي لمسة تقدير رسمية، يشير أبو الوفا إلى أن الملك فؤاد الأول، وخلال زيارته للقصير عام 1926 لافتتاح منجم جبل ضوى، أمر ببناء سور حول مقابر الإيطاليين لحمايتها، إلا أن التوسعات المرورية لاحقًا قلّصت من مساحة المقابر التي ما زالت موجودة حتى اليوم، كشاهد صامت على فصل مهم من العلاقات المصرية الإيطالية.
ويخلص المؤرخون إلى أن مدينة القصير ليست فقط بوابة على كنوز الفوسفات المصري، بل أيضًا حاضنة لقصص إنسانية واقتصادية تعكس عصورًا من التبادل والتعاون الدولي، جعلت منها جزءًا لا يُنسى من خريطة التاريخ الصناعي لمصر.









