محافظات بلدنا

“ديميه السباع”.. المدينة الغارقة في التاريخ تروي أسرارها من قلب المتحف المصري بالتحرير… صور

دينا زكريا

ibnbattuta NEHjaUN zC9LH BgK

بين الرمال الدافئة والضفاف الهادئة لشمال بحيرة قارون، وعلى بعد نحو 3 كيلومترات فقط من مياه البحيرة، تستقر مدينة أثرية تفيض بالأسرار وتحمل بين أنقاضها تاريخًا عميقًا يمتد لآلاف السنين… إنها منطقة “ديميه السباع” الأثرية بمحافظة الفيوم، والتي تُعد واحدة من أعرق وأهم المواقع التاريخية في مصر، لما تحويه من آثار نادرة تعود إلى العصرين اليوناني والروماني، وتحظى باهتمام عالمي متزايد من قبل الباحثين وعلماء الآثار.

وفي إطار هذا الاهتمام، يستعد المتحف المصري بالتحرير لاستضافة معرض شامل لآثار “ديميه السباع” في 27 سبتمبر المقبل، تحت إشراف نخبة من الباحثين المصريين والدوليين، وبالتعاون مع مركز الدراسات البردية التابع لجامعة سالينتو الإيطالية، واحتفاءً بمرور عشرين عامًا على عمل البعثة الإيطالية في الموقع الأثري العريق.


■ من “سكنوبايونيسوس” إلى “ديميه السباع”

يقول الدكتور سيد الشورة، مدير عام آثار الفيوم الأسبق، إن اسم “ديميه السباع” يرجع في الأصل إلى الاسم الإغريقي القديم “سكنوبايونيسوس”، وكانت هذه المدينة من المراكز الحضارية البارزة في العصرين اليوناني والروماني. وقد كانت تمثل نقطة انطلاق حيوية للقوافل المتجهة إلى الجنوب وواحات الصحراء الغربية، ما منحها أهمية اقتصادية واستراتيجية فريدة.

ويضيف الشورة أن تسمية “ديميه السباع” جاءت نتيجة لاكتشاف طريق حجري يبلغ طوله حوالي 400 متر، كان يمتد من المدينة القديمة حتى شاطئ بحيرة قارون، ويصطف على جانبيه تماثيل لأسود حجرية، الأمر الذي منح المدينة هذا الاسم الشعبي المعروف حاليًا.


■ المعابد والأسرار المدفونة

الموقع يضم بين جنباته عدداً من المعابد القديمة، أحدها صغير الحجم ومشيد من الحجر، إلى جانب معبد آخر اكتُشف مؤخرًا بواسطة البعثة الإيطالية التي تعمل على استكشاف المنطقة منذ عام 2004. وتحيط بهذه المعابد أسوار ضخمة من الطوب اللبن، تعمل الفرق البحثية حاليًا على ترميمها بعناية لإعادة إحياء ملامح المدينة القديمة.

كما كشف التنقيب المتواصل عن بقايا مقاصير أثرية ومجموعة من الألواح الحجرية المنقوشة التي تمثل رموزًا دينية وملامح من الحياة اليومية في تلك الحقبة، بالإضافة إلى مجموعة متميزة من أدوات الكتابة مثل الشقافات (قطع الفخار التي كان يُكتب عليها) وورق البردي الذي يحمل نصوصًا هامة توثق الأحداث والمعتقدات السائدة في تلك العصور.


■ معرض دولي في المتحف المصري

يأتي معرض “ديميه السباع” بالمتحف المصري في التحرير تتويجًا لعقدين من العمل الأثري المستمر الذي قادته البعثة الإيطالية، بقيادة الدكتورة باولا دافولي، رئيسة البعثة الأثرية الإيطالية في المنطقة، ويقام بالتعاون مع إدارة المتحف المصري برئاسة الدكتور علي عبد الحليم.

المعرض الذي ينطلق في 27 سبتمبر، يتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للسياحة، ويحمل عنوانًا معبرًا عن هذا الإنجاز العلمي والأثري الكبير:

“ديميه السباع – سكنوبايونيسوس: معبد سوبك وإيزيس.. عشرون عامًا من حفائر جامعة سالينتو”

ويضم المعرض نحو 60 قطعة أثرية منتقاة من مكتشفات البعثة، موزعة بين عدد من المواقع الأثرية والمتاحف المصرية، منها مخزن الآثار بالفيوم، ومتحف كوم أوشيم، والمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، والمتحف المصري الكبير، والمتحف المصري بالتحرير نفسه.


■ المعروضات: حكايات من زمن مضى

تشمل المعروضات مجموعة رائعة من الألواح المنقوشة، التماثيل، النماذج المعمارية للمقاصير القديمة، وأدوات الكتابة التي استخدمها المصريون القدماء خلال الحقبة الهلينستية، حيث تتجلى في هذه القطع العلاقة الوثيقة بين الفن المعماري والديني والكتابي في ذلك العصر، خاصة في ظل وجود رموز لآلهة مثل سوبك إله الفيوم وإيزيس آلهة الأمومة والحكمة، واللذين كان لهما مكانة عظيمة في تلك المنطقة.

المعرض سيُقام داخل إحدى القاعات الرئيسية بالمتحف المصري، وسيمتد على مدار ثلاثة أشهر كاملة، في خطوة تهدف إلى إتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الزوار، سواء من المصريين أو السائحين الأجانب، لاكتشاف روعة الحضارة التي احتضنتها مدينة “ديميه السباع”.


■ تجربة مماثلة.. ونجاح سابق

ويستعيد الشورة في حديثه تجربة مماثلة نظمتها البعثة الفرنسية الإيطالية التي تعمل في منطقة أم البريجات بمحافظة الفيوم، والتي أقامت في عام 2019 معرضًا كبيرًا بالمتحف المصري بمناسبة مرور 30 عامًا على عملها هناك. وقد لاقى ذلك المعرض نجاحًا كبيرًا، وحقق إقبالاً واسعًا من قبل الجمهور، وهو ما تأمل إدارة المتحف والبعثة الإيطالية تكراره هذا العام، بل وتجاوزه.


■ أهمية الحدث

لا يمثل هذا المعرض مجرد عرض لقطع أثرية نادرة، بل يعد نافذة حضارية على تاريخ منطقة غير معروفة نسبيًا لعامة الناس رغم أهميتها القصوى. كما أنه يسهم في تسليط الضوء على جهود البعثات الأجنبية العاملة في مصر، ويعكس صورة إيجابية عن التعاون البحثي بين المؤسسات المصرية والدولية، في سبيل صون التراث واستكشاف مزيد من الجوانب الخفية من التاريخ المصري المتنوع.

ويُتوقع أن يكون هذا المعرض من أبرز الأحداث الأثرية والثقافية في النصف الثاني من عام 2025، كما يراهن عليه القائمون في المتحف على أنه سيساهم في تنشيط السياحة الثقافية داخليًا وخارجيًا، ويعيد التأكيد على أن أرض مصر ما زالت تزخر بالجديد دومًا.

تقع شمال البحيرة
تقع شمال البحيرة
جانب من الآثار
جانب من الآثار
مدينة تعود للعصر اليوناني الروماني
مدينة تعود للعصر اليوناني الروماني
ديمية السباع الاثرية
ديمية السباع الاثرية
طريق ديمية السباع
طريق ديمية السباع

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى