دينا زكريا
في زمن تزايدت فيه الضغوط الحياتية وتراجع جودة الغذاء اليومي، بات الكثيرون يعتمدون على المكملات الغذائية كمصدر بديل لتعويض النقص في الفيتامينات والمعادن والعناصر الأساسية، سواء لدعم صحتهم العامة أو لتحفيز عملية إنقاص الوزن أو تحسين الأداء البدني.
لكن خلف هذه الأقراص والكبسولات الملونة، تكمن حقائق صادمة وتحذيرات طبية متزايدة، خاصة فيما يتعلق بصحة الكبد، ذلك العضو الحيوي المسؤول عن تنقية الجسم من السموم وتنظيم العمليات الحيوية.
فهل المكملات الغذائية آمنة كما يُروَّج لها؟ وما الذي يجعل بعضها سببًا في تدمير الكبد؟ هذا ما يكشفه تحقيقنا التالي، بالاستناد إلى تقارير طبية حديثة وتحذيرات أطباء الكبد والجهاز الهضمي.
ما هي المكملات الغذائية؟
تُعرف المكملات الغذائية بأنها مواد يتم تناولها لتعويض نقص غذائي معين، أو لدعم وظائف الجسم، وتشمل الفيتامينات والمعادن والأحماض الأمينية والأعشاب والنباتات الطبية ومركبات أخرى، وهي متوفرة في أشكال متعددة مثل الأقراص، الكبسولات، المساحيق، أو السوائل.
تشمل أبرز المكملات استخدامًا في الأسواق فيتامين “د”، الكالسيوم، مستخلص الشاي الأخضر، الكركم، وكذلك مكملات بناء العضلات التي يعتمد عليها الرياضيون وممارسو كمال الأجسام.
في ظل تسويقها الواسع عبر الإعلانات والمنصات الصحية، تبدو المكملات الغذائية خيارًا مغريًا لكثيرين. لكنها، وفقًا لعدد من الدراسات، قد تنطوي على مخاطر صحية جسيمة إذا ما تم تناولها بشكل مفرط أو غير منضبط.
الكبد.. خط الدفاع الأول والأكثر تضررًا
الكبد هو عضو أساسي يعمل كمصفاة طبيعية للجسم، يفرز الإنزيمات التي تساعد على الهضم، ويعالج السموم والمركبات الكيميائية القادمة من الأدوية أو المكملات أو حتى الطعام.
وعندما يتم إدخال مواد مركبة أو عالية التركيز إلى الجسم بكميات كبيرة، يضطر الكبد لبذل جهد إضافي للتعامل معها. ومع مرور الوقت، يتسبب هذا الضغط المستمر في تلف خلايا الكبد، وقد يتطور الأمر إلى التهابات مزمنة أو تليف أو حتى فشل كبدي، وهو من أخطر الحالات الصحية التي يصعب علاجها.
كيف تُسبب المكملات ضررًا للكبد؟
تشير تقارير طبية إلى عدة أسباب تجعل المكملات الغذائية، رغم فوائدها المحتملة، مصدرًا محتملًا لخطر كبير على الكبد، ومنها:
-
احتواؤها على مركبات سامة: بعض المكملات، خصوصًا العشبية منها أو تلك غير المرخصة، تحتوي على مكونات تؤدي إلى تسمم الكبد، مثل الكافا أو مستخلصات الشاي الأخضر بتركيزات عالية.
-
غياب التنظيم الصارم: بخلاف الأدوية التي تخضع لاختبارات وتجارب سريرية صارمة قبل طرحها في الأسواق، فإن المكملات الغذائية لا تمر بذات الرقابة، ما يسمح بتداول منتجات لا تخضع لفحوص سلامة دقيقة.
-
الجرعات المفرطة: كثير من المستهلكين يعتقدون أن المكملات الغذائية “آمنة تمامًا”، ما يدفعهم لتناول جرعات زائدة، أو الجمع بين عدة مكملات تحتوي على نفس المكونات، مما يُجهد الكبد ويزيد احتمالات التسمم.
-
المنتجات المركّبة: بعض مكملات إنقاص الوزن أو بناء العضلات تحتوي على مكونات متداخلة قد تكون ضارة بالكبد، خاصة تلك التي تُسوّق كمحفزات للطاقة أو لحرق الدهون.
علامات تنذر بتلف الكبد بسبب المكملات
تتسم الأعراض التي تصاحب تلف الكبد بأنها قد تكون خفية في البداية، مما يُصعّب على المرضى ربطها بتناول المكملات الغذائية. لكن مع مرور الوقت، تظهر علامات واضحة تشمل:
-
اصفرار الجلد والعينين (اليرقان)
-
ألم أو ضغط في الجزء العلوي الأيمن من البطن
-
تورم البطن نتيجة تراكم السوائل (الاستسقاء)
-
تغير لون البول ليصبح داكنًا، أو البراز ليصبح شاحبًا
-
فقدان الشهية، والغثيان المستمر
-
هبوط الوزن بشكل غير مبرر
-
الإرهاق المستمر والضعف العام
-
الارتباك أو اضطراب التركيز الذهني
في حال ظهور أي من هذه الأعراض، فإن التوجه للطبيب يجب أن يكون فوريًا، خاصة إذا كان المريض يستخدم أحد أنواع المكملات.
لماذا لا تكون المكملات الغذائية آمنة دائمًا؟
رغم انتشارها الواسع، فإن المكملات الغذائية تعاني من عدة مشكلات تجعلها أقل أمانًا مما يظن البعض:
-
تُباع بدون وصفة طبية: يمكن الحصول عليها بسهولة من الصيدليات أو عبر الإنترنت دون الرجوع إلى طبيب.
-
غياب الشفافية في المكونات: لا تتضمن بعض المنتجات قائمة واضحة بالمكونات أو التحذيرات، ما يجعل المستهلك عرضة لخطر التفاعلات أو الآثار الجانبية.
-
تفاوت في الجودة والتركيز: تختلف معايير التصنيع من شركة لأخرى، وقد لا تحتوي المنتجات على نفس الكمية من المادة الفعالة المدونة على العبوة.
-
ندرة الإبلاغ عن الأضرار: العديد من حالات التسمم الكبدي المرتبطة بالمكملات لا يتم توثيقها أو الإبلاغ عنها، مما يجعل التقييم الطبي لخطورتها غير مكتمل.
كيف نحمي أنفسنا؟ نصائح لاستخدام المكملات بأمان
إذا كان لا بد من استخدام المكملات الغذائية، فهناك عدد من القواعد الأساسية التي يجب الالتزام بها لتقليل الأضرار المحتملة على الكبد:
-
استشارة الطبيب أولًا: لا تبدأ أي مكمل غذائي دون مشورة طبية، خاصة إذا كنت تعاني من أمراض مزمنة أو تتناول أدوية أخرى.
-
ابحث جيدًا عن المكونات: تأكد من أنك على دراية بفوائد ومخاطر كل مادة داخل المكمل، خاصة تلك المرتبطة بتأثيرات على الكبد.
-
لا تتجاوز الجرعة الموصى بها: الالتزام بالجرعة اليومية الموصى بها أمر بالغ الأهمية لتفادي التسمم.
-
راقب صحتك باستمرار: إذا شعرت بأي أعراض غير معتادة بعد البدء في تناول المكمل، توقف فورًا واطلب المشورة الطبية.
-
اختر علامات تجارية موثوقة: تجنب المنتجات مجهولة المصدر أو التي لا تحمل شهادات جودة أو اعتماد من جهات صحية معترف بها.
-
ابتعد عن المكملات المركّبة لإنقاص الوزن أو لبناء العضلات: فهي من بين الأنواع الأكثر ارتباطًا بمشاكل الكبد، وغالبًا ما تحتوي على منشطات أو أعشاب مجهولة التأثير.
المكملات الغذائية ليست شرًا مطلقًا، لكنها ليست خيرًا مطلقًا أيضًا. هي أدوات يمكن أن تعزز الصحة أو تُلحق أضرارًا بالغة إذا أسيء استخدامها.
وفي ظل انتشار المنتجات وسهولة الحصول عليها، تصبح المسؤولية مضاعفة على الأفراد لاختيار الأفضل، والاستشارة الدائمة لأهل التخصص، لأن ثمن الخطأ – في هذه الحالة – قد يكون هو الكبد نفسه، أو حتى الحياة.




