يوافق الرابع من مارس من كل عام اليوم العالمي للسمنة، وهو مناسبة صحية دولية تهدف إلى دق ناقوس الخطر بشأن الارتفاع المتسارع في معدلات زيادة الوزن والسمنة حول العالم، وما يرتبط بهما من مخاطر صحية جسيمة تشمل أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم وبعض أنواع السرطان. وبينما تواجه دول كثيرة موجة متنامية من السمنة نتيجة التحولات الغذائية وأنماط الحياة الخاملة، تكشف تقارير صحية حديثة عن مفارقة لافتة: هناك بلدان لا تزال تحافظ على أدنى معدلات السمنة عالميًا، بفضل تمسكها بأنظمة غذائية تقليدية وأنماط حياة أكثر نشاطًا.
ووفقًا لما أورده موقع “تايمز ناو”، فإن دولًا عدة في آسيا وأفريقيا تسجل نسبًا متدنية للغاية في انتشار السمنة بين البالغين، مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يشهد ارتفاعًا مستمرًا عامًا بعد عام. ويرجع خبراء الصحة العامة هذه الظاهرة إلى عوامل متعددة، في مقدمتها الاعتماد على الأغذية الطازجة، وانخفاض استهلاك المنتجات فائقة المعالجة، إضافة إلى ممارسة النشاط البدني بشكل يومي كجزء طبيعي من الحياة.
السمنة.. أزمة صحية عالمية تتفاقم
قبل التطرق إلى الدول ذات المعدلات المنخفضة، لا بد من فهم السياق العالمي. فالسمنة لم تعد مجرد مشكلة فردية تتعلق بالمظهر أو الوزن الزائد، بل أصبحت قضية صحة عامة تؤرق الحكومات والمنظمات الدولية. وتشير تقديرات صحية حديثة إلى أن مئات الملايين من البالغين حول العالم يعانون من السمنة، في ظل انتشار الوجبات السريعة، والمشروبات المحلاة، والعمل المكتبي طويل الساعات، وتراجع النشاط البدني.
وتحذر منظمات الصحة من أن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي إلى أعباء اقتصادية وصحية ضخمة، إذ ترتبط السمنة بارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وانخفاض الإنتاجية، وزيادة معدلات الوفاة المبكرة.
في هذا المشهد القاتم، تبرز بعض الدول كنماذج مختلفة، استطاعت – حتى الآن – أن تحافظ على معدلات منخفضة للغاية، ما يثير تساؤلات حول الأسرار الكامنة وراء ذلك.

فيتنام.. نموذج آسيوي لأسلوب حياة متوازن
تتصدر فيتنام في كثير من التقارير الدولية قوائم الدول ذات أدنى معدلات السمنة في العالم، إذ تقل نسبة البالغين المصابين بالسمنة عن 3%، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بدول تتجاوز فيها المعدلات 30% أو حتى 40%.
ويرى خبراء التغذية أن السر يكمن في النظام الغذائي الفيتنامي التقليدي، الذي يعتمد بشكل كبير على الخضراوات الطازجة والأعشاب الطبيعية، إلى جانب الأرز كمصدر رئيسي للكربوهيدرات، والبروتينات الخالية من الدهون مثل الأسماك والمأكولات البحرية.
كما تتميز الوجبات الفيتنامية بأحجامها الصغيرة نسبيًا، ما يقلل من الإفراط في تناول الطعام. ولا تقتصر المسألة على نوعية الغذاء فحسب، بل تمتد إلى نمط الحياة؛ إذ ينتشر المشي وركوب الدراجات على نطاق واسع في المدن والريف، سواء كوسيلة للتنقل أو كجزء من الروتين اليومي.
هذا التوازن بين غذاء بسيط غير معالج وحركة مستمرة يخلق بيئة صحية تحد من تراكم الدهون وتحافظ على وزن معتدل لدى غالبية السكان.
بنجلاديش.. الغذاء التقليدي والعمل البدني
تُعد بنجلاديش من الدول التي تسجل معدلات منخفضة نسبيًا في السمنة مقارنة بالمتوسط العالمي، رغم التحديات الاقتصادية التي تواجهها. ويعتمد النظام الغذائي التقليدي هناك على الأرز والعدس والخضراوات والأسماك، وهي مكونات غنية بالألياف والبروتينات النباتية وقليلة الدهون المشبعة.
ويمارس قطاع واسع من السكان أعمالًا تتطلب مجهودًا بدنيًا يوميًا، سواء في الزراعة أو الحرف اليدوية أو الأنشطة التجارية البسيطة، ما يعزز من معدلات حرق السعرات الحرارية.
ويرى مختصون أن استمرار هذا النمط الغذائي والحركي، رغم مظاهر التحديث المتزايدة، أسهم في إبقاء معدلات السمنة عند مستويات أقل بكثير من العديد من الدول الصناعية.
تيمور الشرقية.. بساطة الغذاء وقلة التصنيع
تيمور الشرقية، الدولة الصغيرة الواقعة في جنوب شرق آسيا، تُصنف أيضًا ضمن أقل الدول عالميًا في معدلات السمنة. ويعتمد السكان بشكل أساسي على الذرة والخضراوات المحلية والأسماك، وهي أطعمة تقليدية طازجة تُحضّر بطرق بسيطة.
ومن العوامل المهمة كذلك محدودية انتشار الأطعمة المصنعة والمشروبات السكرية مقارنة بالدول الأكثر انفتاحًا على سلاسل الوجبات السريعة العالمية. فكلما كان الوصول إلى المنتجات فائقة المعالجة أقل، تراجعت فرص الإفراط في استهلاك السكريات والدهون غير الصحية.
كما أن طبيعة الحياة اليومية، التي تتضمن أعمالًا يدوية ونشاطًا جسديًا منتظمًا، تسهم في الحفاظ على توازن الطاقة ومنع زيادة الوزن المفرطة.
نيبال.. الجبال تحفز الحركة
تحافظ نيبال كذلك على معدلات منخفضة من السمنة مقارنة بدول أخرى، ويعزو خبراء الصحة ذلك إلى عدة عوامل مترابطة. فالنظام الغذائي النيبالي يعتمد على العدس والأرز بشكل رئيسي، إلى جانب الخضراوات المحلية، كما تنتشر الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل اللبن الرايب، الذي يدعم صحة الجهاز الهضمي.
لكن العامل الأبرز قد يكون طبيعة البلاد الجبلية، التي تجعل الحركة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية. فالتنقل في مناطق مرتفعة يتطلب جهدًا بدنيًا أكبر، ما يعزز من اللياقة البدنية ويسهم في حرق السعرات الحرارية بصورة طبيعية.
هذا التفاعل بين الغذاء البسيط والنشاط البدني المفروض بحكم الجغرافيا يخلق بيئة أقل ملاءمة لانتشار السمنة.

القاسم المشترك: طعام طبيعي وحركة يومية
عند النظر إلى هذه الدول مجتمعة، يظهر بوضوح وجود عناصر مشتركة بينها:
-
الاعتماد على الأغذية الطازجة: الخضراوات، الحبوب الكاملة، البقوليات، والأسماك.
-
انخفاض استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة: مثل الوجبات السريعة والمشروبات الغازية.
-
أحجام وجبات معتدلة: بعيدًا عن ثقافة “الوجبات العملاقة”.
-
النشاط البدني اليومي: سواء عبر العمل اليدوي أو المشي أو ركوب الدراجات.
-
استمرار العادات التقليدية: رغم العولمة والانفتاح.
ويؤكد مختصون أن هذه العوامل مجتمعة تسهم في خلق توازن بين السعرات المستهلكة والمحرقة، وهو الأساس في الوقاية من السمنة.
دروس مستفادة لبقية العالم
في اليوم العالمي للسمنة، لا يقتصر الهدف على رصد الأرقام أو تصنيف الدول، بل يتعداه إلى استخلاص الدروس. فالتجارب الناجحة تشير إلى أن الوقاية لا تعتمد فقط على حملات التوعية، بل تحتاج إلى بيئة داعمة تشجع على الخيارات الصحية.
ومن بين الخطوات التي يمكن أن تستفيد منها الدول ذات المعدلات المرتفعة:
-
دعم الزراعة المحلية وتوفير الأغذية الطازجة بأسعار مناسبة.
-
فرض قيود أو ضرائب على المشروبات السكرية.
-
تصميم مدن صديقة للمشاة وراكبي الدراجات.
-
تعزيز الثقافة الغذائية الصحية في المدارس.
-
تقليل الإعلانات الموجهة للأطفال عن الأطعمة غير الصحية.
تحديات مستقبلية
رغم انخفاض معدلات السمنة في هذه الدول، إلا أن الخبراء يحذرون من أن استمرار التحولات الاقتصادية والانفتاح على الأسواق العالمية قد يؤديان إلى تغيّر أنماط الغذاء والحياة. فمع تزايد انتشار المطاعم السريعة والمنتجات الجاهزة، قد تبدأ معدلات السمنة في الارتفاع كما حدث في دول أخرى.
لذلك، فإن الحفاظ على المكاسب الحالية يتطلب سياسات استباقية، توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية الصحة العامة.

السمنة مسؤولية جماعية
في النهاية، يذكّر اليوم العالمي للسمنة بأن هذه القضية ليست مسؤولية الأفراد وحدهم، بل هي نتاج منظومة متكاملة تشمل الغذاء المتاح، والتخطيط العمراني، والثقافة المجتمعية، والسياسات الاقتصادية.
وتثبت تجارب دول مثل فيتنام وبنجلاديش وتيمور الشرقية ونيبال أن الحفاظ على أنماط غذائية تقليدية نشطة يمكن أن يشكل خط دفاع قويًا ضد السمنة، حتى في ظل التحديات الاقتصادية.
وبينما يسعى العالم للحد من هذه الأزمة الصحية المتصاعدة، تظل الرسالة الأهم واضحة: العودة إلى البساطة في الطعام، والحركة اليومية المنتظمة، قد تكونان المفتاح الأهم لحياة أطول وأكثر صحة.


