في قلب منطقة المنشية العريقة بمحافظة الإسكندرية، وبين أزقة شارع فرنسا وميدان محطة الرمل، تقف شامخةً عمارة فريدة تُعرف بين السكندريين باسم “العمارة الحمراء”، وهي ليست مجرد مبنى قديم، بل شاهد حي على عبق تاريخ المدينة وعراقتها المعمارية.
عند المرور بجوار هذه العمارة، ينجذب الزائر تلقائيًا لتفاصيلها الدقيقة ونقوشها المذهلة، ولا يسعه إلا أن يُخرج هاتفه لالتقاط صورة تذكارية أمام جدرانها الحمراء المُهيبة. فالعمارة، التي تجاوز عمرها القرن، ما تزال تحتفظ برونقها الفني، وتُعد من أبرز معالم المنشية التي تأسر الأنظار وتثير الفضول.
من الباروك إلى البورصة
شُيدت “العمارة الحمراء” باستخدام أحجار حمراء نادرة، وصمّمها المهندس المعماري الإيطالي الشهير “ألدو ماريلل” على الطراز المعماري الباروكي، الذي يتميز بالفخامة والزخارف الرفيعة. وتتكوّن العمارة من خمسة طوابق علوية، بالإضافة إلى طابق أرضي وميزانين.
تعددت أسماؤها بين “عمارة قرداحي” نسبة إلى مؤسسها ومالكها الأول التاجر السوري الأصل “بدر الدين قرداحي بك”، و”عمارة همام” نسبة إلى العائلة التي امتلكتها لاحقًا، وهم آل همام: همام عبد الجواد وأشقاؤه. أما تسميتها الأشهر بـ”العمارة الحمراء” فترجع إلى لونها المميز الذي جعلها مختلفة عن كافة مباني ميدان المنشية.
ملك البورصة.. وعاشق الفن
بدر الدين قرداحي، المعروف بـ”ملك البورصة”، لم يكن مجرد تاجر ناجح في القطن والعقارات، بل كان من كبار أثرياء الإسكندرية في مطلع القرن العشرين، وعُرف عنه حبه للفن والثقافة. ويُذكر أنه قام بشراء مسرح الكونت زيزينيا وأعاد افتتاحه باسم “تياترو محمد علي” بشارع فؤاد، الذي لا يزال من أبرز المسارح السكندرية.
ولم تتوقف طموحات قرداحي عند العمارة الحمراء فحسب، بل استعان بالمهندس ذاته لتصميم وبناء مجموعة من ممتلكاته الأخرى، من بينها فيلا قرداحي في حي كفر عبده، وقسم باب شرقي، وفيلا عاداة في منطقة وابور المياه، والتي أصبحت لاحقًا مقرًا لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية.
تراث باقٍ بإشراف وزارة الآثار
وحول الأهمية التاريخية والمعمارية للعمارة الحمراء، يقول محمد سعيد، خبير الآثار بالإسكندرية، إن المبنى يُعد تحفة فنية قائمة بذاتها، ولا يمكن لأي شخص أن يمر بجانبها دون أن يشعر بفضول التوثيق أو التأمل. ورغم مرور أكثر من مائة عام على إنشائها، فإنها ما زالت تحتفظ بجمالها المعماري.
وأشار سعيد إلى أن العمارة تخضع حاليًا لإشراف وزارة الآثار المصرية، ومدرجة ضمن سجلات التراث، حيث تحظى بمتابعة دورية من الجهات المعنية بالترميم للحفاظ على قيمتها الفنية والتاريخية.
في قلب المدينة.. وذاكرة أجيال
العمارة الحمراء ليست مجرد مبنى قديم في الإسكندرية، بل أيقونة تحكي فصولًا من تاريخ المدينة الكوزموبوليتاني، عندما كانت تستقبل الجاليات وتحتضن كبار التجار والمثقفين، وتمزج بين العمارة الأوروبية والروح المصرية.
وما زالت العمارة اليوم، كما في الأمس، وجهة لعدسات الزائرين وعدسات المصورين، ومحورًا لقصص سكان المنشية، الذين يرون فيها ذكرى مدينة لا تزال تحتفظ بهويتها رغم تغير الأزمنة.





