
تعيش الإسكندرية كل عام على إيقاع متكرر، يشبه دورة حياة خاصة لا تتشابه مع أي مدينة عربية أخرى. فهنا، على شاطئ البحر المتوسط، لا تُقاس المواسم فقط بتقويم الشهور، بل تُقاس أيضًا بالنوات؛ تلك الظواهر الجوية التي تحمل معها الرياح العاتية، والأمواج المرتفعة، والأمطار الغزيرة أحيانًا، لتعيد رسم ملامح المدينة، وتؤثّر في حركة الصيد والملاحة وحياة الناس اليومية.
وتتعرض عروس البحر لنحو 18 إلى 20 نوة سنويًا، تختلف في شدّتها، واتجاه رياحها، وفترات هطول الأمطار خلالها. بعضها قصير، يستمر يومًا أو يومين، وبعضها طويل يأخذ في طريقه شوارع المدينة ويوقف مراكب الصيد لأكثر من أسبوع. وبين نوة ساخنة قادمة من الشرق، وأخرى غربية تحمل المطر والبرد والغيوم، تبقى الإسكندرية مدينة تتعايش مع هذا الإرث المناخي الممتد منذ عقود طويلة.
وفي السطور التالية نستعرض خريطة النوات الأشهر التي تضرب الإسكندرية سنويًا، مع شرح دقيق لطبيعتها، وأسباب تسميتها، وتأثيراتها على الحياة اليومية.
نوة الفيضة الكبرى.. غضب البحر في ذروته
في النصف الأول من يناير يبدأ البحر إعلان حضوره الطاغي عبر نوة الفيضة الكبرى، التي تُعد من أخطر النوات وأكثرها تأثيرًا على الصيد والملاحة. وسميت “الفيضة الكبرى” لأنها تجعل البحر يفيض فعلًا؛ إذ يزداد ارتفاع الأمواج بشكل كبير، وتشتد الرياح الجنوبية الغربية المحملة بالأمطار طوال ستة أيام كاملة.
وخلال هذه النوة عادةً ما تتوقف مهنة الصيد نظرًا لاضطراب البحر وارتفاع الموج بصورة تهدد حياة الصيادين.

نوة الغطاس.. مطر يرافق احتفالًا دينيًا
في النصف الأخير من يناير تهب على المدينة نوة الغطاس، التي اقترنت تسميتها بعيد الغطاس لدى الأقباط.
تستمر هذه النوة ثلاثة أيام، وتأتي معها رياح غربية ممطرة تزيد من برودة الأجواء، وتملأ المدينة بملمس شتوي خالص يعشقه السكندريون.
نوة الكرم.. كرم المطر وطول البقاء
تأتي نوة الكرم في الأيام الأخيرة من يناير، وتستمر سبعة أيام كاملة.
وأُطلق عليها لقب “الكرم” لوفرة أمطارها وطول مدتها، إذ تُعتبر من النوات التي يكثر فيها الهطول ويشتد البحر خلالها، مما يؤدي أيضًا إلى توقف الصيد بسبب الرياح الغربية والدوامات البحرية الناتجة عنها.
نوة الشمس الصغيرة.. شمس ساطعة رغم الأمطار
في منتصف فبراير تظهر نوة الشمس الصغيرة، وهي من النوات المميزة، حيث تستمر ثلاثة أيام فقط، وتجمع بين ظاهرتين متناقضتين: أمطار غزيرة، وشمس ساطعة تختلس الظهور بين الغيوم!
ويصاحب هذه النوة رياح غربية، ما يجعل الأجواء باردة رغم دفء الشمس الظاهر.
نوة السلوم.. رياح قصيرة العمر
تهب نوة السلوم في أوائل مارس، وتستمر 48 ساعة فقط.
وسُميت بهذا الاسم نسبةً إلى الرياح الغربية القادمة من جهة مدينة السلوم.
ورغم قصر مدتها، فإن أمطارها ورياحها الجنوبية الغربية يمكن أن تسبب اضطرابًا مؤقتًا في البحر.
نوة الحسوم.. برق ورعد يعلن نهاية النوات الشديدة
تعتبر نوة الحسوم من أخطر وأشد النوات التي تهب على الإسكندرية، وتأتي في الأسبوع الأول من مارس.
وتتميز بالبرق القوي والرعد الصاخب، إلى جانب الأمطار الشديدة والرياح الغاضبة.
وتُعد هذه النوة آخر النوات الشتوية القوية قبل أن يبدأ البحر في الهدوء النسبي.
نوة الشمس الكبيرة.. دفء بلا أمطار
بعد موجات المطر، تأتي نوة الشمس الكبيرة لتستمر يومين فقط، مصحوبة برياح شرقية جافة بلا أمطار.
وتزداد خلالها حرارة الشمس بشكل لافت، وكأنها بوابة عبور من الشتاء نحو الاعتدال.
نوة عوة (برد العجوزة).. النهاية الرسمية للبرد
في الأسبوع الأخير من مارس تهب نوة عوة، أو ما يعرف بـ”برد العجوزة”.
وهي نوة باردة قوية تستمر لعدة أيام، برياح شرقية قاسية، وتُعد آخر النوات الباردة في الموسم.
ولم يُحسم سبب تسميتها، لكنّها تظل واحدة من أكثر النوات حضورًا في الذاكرة الشعبية.
نوة الخماسين.. حرارة مُفاجئة
في أواخر أبريل تضرب الإسكندرية نوة الخماسين لمدة يومين، برياح شرقية ساخنة غالبًا ما تكون محملة بالأتربة والرمال، لتعلن بداية التحول التدريجي نحو حرارة الصيف.
نوة النقطة.. رياح ساخنة ممتدة
في منتصف يونيو تهب نوة رياح النقطة، التي تستمر يومين، وتأتي برياح شرقية ساخنة مشابهة لطقس الخماسين.
وتُعد هذه النوة امتدادًا طبيعيًا لموسم الرياح الحارة.
نوة الصليبية.. ذكريات غرق الإسكندرية
في النصف الأخير من أكتوبر تأتي نوة الصليبية، التي تستمر ثلاثة أيام.
ورغم أنها غالبًا خالية من الأمطار، فإنها ارتبطت في ذاكرة السكندريين بعام 2015 حين شهدت الإسكندرية خلالها أمطارًا غير مسبوقة أدت إلى شلل مروري وغرق أجزاء واسعة من المدينة.
ومنذ ذلك الحين بات اسم “الصليبية” مرادفًا لأحد أصعب مشاهد الطقس.
نوة قاسم.. العاصفة التي تحمل اسم صياد
من أخطر النوات التي تضرب المدينة سنويًا؛ فهي تهب في الأسبوع الأول من ديسمبر، وتستمر خمسة أيام كاملة.
وتأتي معها رياح جنوبية غربية شديدة وعواصف قوية.
وتُنسب تسميتها إلى صياد يُدعى “قاسم” يُقال إنه غرق خلال هذه النوة، فأطلق الصيادون اسمه عليها تخليدًا لذكراه.
نوة الفيضة الصغرى.. فيضان البحر من جديد
في النصف الأخير من ديسمبر تهب نوة الفيضة الصغرى، وتستمر خمسة أيام.
وخلالها يرتفع الموج بشكل لافت، ويصعب على الصيادين ممارسة عملهم بسبب خطورة الأمواج المتلاطمة.
وتأتي هذه النوة برياح شمالية غربية محملة بالأمطار.
نوة عيد الميلاد.. مطر كثيف
في مطلع يناير تهب نوة عيد الميلاد لمدة يومين، مصاحبة لرياح غربية وأمطار غزيرة، وتأتي بالتزامن مع احتفالات عيد الميلاد المجيد لدى الأقباط، ما أكسبها اسمها المميز.
نوة رأس السنة.. بداية العام بمطر
وأخيرًا، تأتي نوة رأس السنة في الأيام الأولى من يناير، لتستمر أربعة أيام مصحوبة برياح غربية وأجواء ممطرة، وكأن البحر يحتفل ببداية العام بطريقته الخاصة.
الإسكندرية مدينة تولد من البحر كل عام
ليست النوات مجرد اضطرابات جوية في قاموس الإسكندرية؛ بل هي جزء من هويتها وثقافتها وسيرة أهلها، الذين تعلموا العيش مع البحر بكل حالاته.
فكل نوة تحمل قصة، وكل رياح تكتب على صفحات المدينة فصلًا جديدًا من علاقتها الممتدة مع المتوسط… علاقة لا تنتهي، ولا تتغير إلا بقدر ما يسمح به البحر.





