في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع النقل البري في مصر، من ازدحام مروري متكرر، وتآكل مستمر في شبكة الطرق، وتزايد معدلات الحوادث والتلوث، يتجه الضوء مجددًا نحو واحد من أقدم وأهم وسائل النقل التي عرفتها الحضارة المصرية عبر التاريخ، وهو النقل النهري.
هذا القطاع، الذي ظل لفترة طويلة بعيدًا عن الأضواء، يعود اليوم ليحظى باهتمام كبير من وزارة النقل، باعتباره خيارًا استراتيجيًا يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في إعادة صياغة مشهد حركة البضائع والركاب في البلاد، وتقليل الاعتماد المفرط على الشاحنات والطرق البرية.
أهمية النقل النهري.. اقتصاد وبيئة وأمان
ترى وزارة النقل أن الاستثمار في النقل النهري ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية تمليها الحقائق والأرقام. فالنقل عبر نهر النيل يمكنه استيعاب كميات أكبر بكثير من البضائع مقارنة بالشاحنات، وهو ما يعني خفض عدد الرحلات البرية، وتقليل استهلاك الوقود، وانخفاض مستويات التلوث، إلى جانب إطالة عمر الطرق وتقليل الحاجة إلى الصيانة الدورية.
ولعل أبرز ما يميز النقل النهري أنه يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والحفاظ على البيئة، في وقت تتسابق فيه دول العالم لإيجاد حلول نقل أقل ضررًا بالمناخ.
ويعتمد النقل النهري في مصر على المجرى الملاحي لنهر النيل، الذي يمتد من أقصى الجنوب إلى الشمال، رابطًا المدن الداخلية بالموانئ البحرية الكبرى، خاصة مينائي الإسكندرية ودمياط، وهما من أهم المراكز اللوجستية في البلاد وأكثرها نشاطًا في تداول البضائع. كما يمكن لهذا النمط من النقل أن يتكامل مع الموانئ البرية، والمناطق اللوجستية، والمخازن، ما يخلق شبكة متكاملة من سلاسل الإمداد.
تأهيل المجرى الملاحي.. بنية تحتية جاهزة
لم يكن تطوير النقل النهري ليتحقق دون إعادة تأهيل شريان الحياة ذاته، نهر النيل. فقد خضع المجرى الملاحي لأعمال تكريك وتطهير شاملة بطول 3,126 كيلومتر، لضمان مرور آمن وسلس للوحدات النهرية، مهما كان حجمها، من أقصى الجنوب إلى الشمال.
هذه الأعمال لم تقتصر على إزالة العوائق الطبيعية والرواسب، بل شملت أيضًا تحسين جوانب المجرى وتطوير المراسي والأهوسة.
وأثمرت هذه الجهود عن نجاحات عملية، أبرزها ما سجله ميناء دمياط مؤخرًا من إنجاز فريد، حيث نفّذ لأول مرة عملية شحن ونقل 750 طنًا من سماد اليوريا المعبأ، من إنتاج شركة “موبكو” للأسمدة، إلى منطقة توشكى بأسوان عبر الوحدة النهرية “النيل 5” التابعة لشركة النيل الوطنية للنقل النهري.
هذه الرحلة، التي عبرت نهر النيل حتى وصلت إلى وجهتها، ليست مجرد عملية نقل عادية، بل رسالة عملية تؤكد أن النقل النهري يمكنه لعب دور محوري في دعم مشروعات التنمية الزراعية والصناعية في مختلف أنحاء البلاد.
حمولة تضاهي عشرات الشاحنات
وفقًا لمصدر مسؤول بوزارة النقل، فإن الوحدة النهرية التي نقلت شحنة السماد من ميناء دمياط إلى توشكى كانت قادرة على استيعاب ما يعادل حمولة 13 شاحنة إذا افترضنا تحميل كل شاحنة بالحمولة القصوى (60 طنًا). والأهم أن هذه الحمولة تم نقلها دفعة واحدة، في وقت أقل، وبتكلفة وقود أقل، ودون التسبب في أي حوادث أو تكدسات مرورية أو أضرار بالطرق.
ويضيف المصدر أن بعض الوحدات النهرية الكبيرة يمكنها نقل ما يعادل حمولة 40 شاحنة في رحلة واحدة، وهو ما يوضح الفارق الهائل بين النقل البري والنقل النهري من حيث القدرة الاستيعابية والكفاءة.
خطة شاملة لتطوير القطاع
وزارة النقل لم تكتفِ بالتجارب الفردية، بل وضعت خطة استراتيجية شاملة لتطوير النقل النهري في مصر، تشمل عدة محاور:
-
الإصلاح التشريعي:
صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 167 لسنة 2022 بشأن إعادة تنظيم الهيئة العامة للنقل النهري، والذي هدف إلى توحيد جهة الولاية على نهر النيل لتكون الهيئة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تنظيمه، مما يسهل إجراءات الاستثمار، ويحد من تضارب الاختصاصات. -
إنشاء شبكة من الموانئ النهرية:
تعمل الوزارة على إنشاء موانئ نهرية حديثة ومتخصصة، قادرة على استقبال وشحن مختلف أنواع البضائع والحاويات، وتوزيعها عبر المحافظات. بعض هذه الموانئ مخصص لأنواع محددة من البضائع، لكن يمكن تكييفها لاستقبال بضائع أخرى بالتعاون مع الهيئة العامة للنقل النهري. -
تطوير الأهوسة:
بالتنسيق مع وزارة الري، تم صيانة وتطوير الأهوسة القائمة، وإنشاء أخرى جديدة بمعايير هندسية متطورة، ما يتيح زيادة الطاقة الاستيعابية، وتقليل زمن العبور، وتشغيلها على مدار 24 ساعة. -
البنية المعلوماتية الذكية:
بالتعاون مع شركة نمساوية متخصصة، تم تنفيذ منظومة “خدمات معلومات النهر” (River Information Services) لتوفير خرائط إلكترونية دقيقة، وتحديد المسارات الآمنة، وتبادل البيانات بين الوحدات النهرية والهيئة العامة للنقل النهري، ما يعزز من السلامة وكفاءة التشغيل.
فوائد اقتصادية وبيئية لا تُحصى
تؤكد وزارة النقل أن الاستثمار في النقل النهري له مردود اقتصادي ضخم. فكل وحدة نهرية تحل محل عشرات الشاحنات، ما يقلل الضغط على شبكة الطرق، ويخفض تكاليف الصيانة التي تتحملها ميزانية الدولة. كما أن تكلفة نقل الطن عبر النهر أقل بكثير من نقله برًا، إلى جانب تقليل الانبعاثات الملوثة للهواء، والضوضاء، والتلوث البصري.
وعلى المستوى البيئي، فإن النقل النهري يحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ويحافظ على الصحة العامة، ويعزز من التوجهات العالمية نحو النقل الأخضر. أما على المستوى الاجتماعي، فإن تقليل حركة الشاحنات على الطرق يحد من الحوادث المرورية، ويحسن من انسيابية الحركة، ويجعل المدن أكثر أمانًا.
دعوة للاستثمار
في ختام خطتها، وجهت وزارة النقل دعوة مفتوحة لكافة شركات القطاع الخاص، محلية وأجنبية، للاستثمار في هذا القطاع الواعد، مؤكدة أن الفرص متاحة أمام الجميع للاستفادة من شبكة الموانئ النهرية، والبنية التحتية المطورة، والدعم الحكومي، لتحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، والمساهمة في حماية البيئة، ودعم التنمية المستدامة.





