على بعد بضعة كيلومترات من صخب القاهرة وضجيجها، وفي قلب مدينة العبور الهادئة التي وُلدت لتكون إحدى عرائس المدن الجديدة، يتعالى صدى آلات الحفر والخرسانة، وتتكاثف الأيادي في سباق مع الزمن لإنهاء مشروع عملاق طال انتظاره: مستشفى العبور العام. ليس مجرد مبنى ضخم أو مؤسسة طبية عادية، بل هو نموذج مكتمل لمفهوم الجمهورية الجديدة التي تضع صحة المواطن في مقدمة أولوياتها.
في ظل الطفرة التي تشهدها مصر في مختلف قطاعات البنية التحتية والخدمات، تأتي المشروعات الصحية كأولوية استراتيجية، وعلى رأسها إنشاء مستشفيات نموذجية في المناطق الجديدة التي كانت حتى وقت قريب تعاني من نقص الخدمات الطبية. واليوم، يوشك “مستشفى العبور العام” أن يصبح أول مستشفى حكومي على أرض المدينة، ليكون بمثابة درع صحي قوي يخدم سكان المدينة والمناطق المجاورة.
في هذا التحقيق الصحفي، نرصد كافة أبعاد المشروع: من الفكرة إلى التنفيذ، ومن التصميم إلى الاستعداد للتشغيل، ونكشف عن التفاصيل الدقيقة التي تجعله صرحًا طبيًا فريدًا، كما نستعرض آراء المسؤولين وجهود الدولة في إطار خطة متكاملة لإعادة هيكلة قطاع الصحة.
من فكرة إلى واقع: لماذا احتاجت العبور إلى صرح طبي حكومي؟
لم تكن مدينة العبور، رغم أهميتها كمجتمع عمراني جديد، تملك مستشفى حكومي يخدم سكانها الذين يتجاوز عددهم 700 ألف نسمة. ظلت لسنوات تعتمد على العيادات الخاصة أو تضطر إلى إرسال مرضاها إلى مستشفيات بعيدة في القاهرة أو شبرا أو بنها، ما شكل ضغطًا نفسيًا واقتصاديًا على الأسر، خاصة في حالات الطوارئ.
تلك الفجوة الصحية دفعت الدولة إلى التحرك الحاسم، من خلال وزارة الصحة بالتعاون مع هيئة المجتمعات العمرانية، لإقامة مستشفى عام يكون على قدر الاحتياج السكاني والتوسع العمراني المتسارع. لم يكن الهدف مجرد مبنى، بل تأسيس منظومة متكاملة من الخدمات الصحية الحديثة.
ومن هنا، انطلقت أولى خطوات مشروع “مستشفى العبور العام” في موقع استراتيجي يقع بالتبة الفاصلة بين الحي الثالث والثامن، على مساحة تتجاوز 17 ألف متر مربع، ليخدم المدينة والمناطق المجاورة مثل السلام، والنهضة، والشروق، والعبور الجديدة، بل وحتى أجزاء من محافظة الشرقية.
مراحل التنفيذ: سباق مع الزمن لإنجاز حلم الصحة
عندما بدأ التنفيذ، كان هناك حرص شديد على احترام الجداول الزمنية المحددة، بل وتسريعها إن أمكن، وهو ما أكده الدكتور أسامة الشلقاني، وكيل وزارة الصحة بالقليوبية، مشيرًا إلى أن المشروع يسير بخطى متسارعة، وأنه تجاوز بالفعل نسبة الإنجاز 90% بحلول منتصف 2025.
ويضيف الشلقاني: “نحن لا نبني فقط مبنى ضخمًا، بل نؤسس لصحة الناس، ونعمل يوميًا على المتابعة الدقيقة لكل تفاصيل التنفيذ بالتنسيق مع استشاري المشروع والشركات المنفذة، بهدف تسليمه قبل الموعد المحدد، وبدقة تتوافق مع أعلى معايير الجودة”.
ويُستكمل العمل في المشروع على عدة مستويات متوازية، تشمل: تشطيب الواجهات الزجاجية، التكسيات الألومنيوم، دهانات الحوائط، تركيب سيراميك الأرضيات، تجهيز غرف العمليات، تركيب الأنظمة الميكانيكية للتكييف وإطفاء الحريق، فضلًا عن أعمال تنسيق الموقع العام والأسوار والبوابات.
صرح طبي على أعلى مستوى: ماذا يضم المستشفى من خدمات؟
عند اكتماله، لن يكون “مستشفى العبور العام” مجرد منشأة طبية، بل منظومة صحية متكاملة، تتضمن:
-
سعة سريرية كبيرة: 189 سريرًا، منهم 122 سريرًا لإقامة المرضى، و27 سريرًا للعناية المركزة.
-
خدمات الكلى: 20 ماكينة غسيل كلوي مجهزة على أحدث مستوى.
-
خدمات حديثي الولادة: 20 حضانة مجهزة بأجهزة متطورة.
-
العمليات والتخصصات الدقيقة: 5 غرف عمليات متكاملة، قسم مناظير، قسم جراحة ورعاية القلب.
-
المعامل وبنك الدم: تجهيزات متكاملة لتحاليل الدم ومشتقاته وتخزينه.
-
العيادات الخارجية: تشمل كافة التخصصات من الباطنة والجراحة إلى العظام والأطفال والأسنان والعلاج الطبيعي.
-
قسم الطوارئ: يحتوي على غرفة إنعاش، غرف ملاحظة، استقبال حالات حرجة.
-
أقسام الأشعة: يتضمن أجهزة الأشعة السينية، المقطعية، الرنين المغناطيسي، والموجات فوق الصوتية.
ويؤكد الدكتور حمودة الجزار، نائب وكيل وزارة الصحة، أن تكلفة المشروع بلغت نحو 260 مليون جنيه، ويُعد من أبرز الاستثمارات الصحية في مدينة العبور.
تفاصيل دقيقة… ونسب إنجاز مطمئنة
في جولة داخل الموقع، كشف مسؤولو المشروع عن نسب إنجاز دقيقة لكل عنصر:
-
تنفيذ الواجهات: 92%
-
تركيب المصاعد: 96%
-
تنفيذ أعمال التكييف المركزي: 93%
-
التمديدات الكهربائية: 85%
-
تشطيبات الأسقف والأرضيات والدهانات: 90%
وتُظهر هذه الأرقام قرب اكتمال المشروع، ليكون جاهزًا لتقديم خدماته خلال أشهر قليلة، ما يمثل دفعة قوية للخدمات الصحية الحكومية في القاهرة الكبرى.
دور جهاز مدينة العبور: رفع العقبات وتسهيل الإنجاز
من جانبه، يشدد المهندس أحمد رشاد، رئيس جهاز تنمية مدينة العبور، على أن الجهاز لا يدخر جهدًا في دعم هذا المشروع الحيوي، موضحًا أنه تم إصدار توجيهات واضحة لكافة الإدارات المختصة بإزالة أي عقبات قد تعرقل سير العمل.
ويقول: “نعمل على تنسيق الموقع العام وفق أعلى المعايير، ليكون الشكل النهائي للمستشفى متكاملًا من الداخل والخارج، وليحقق راحة المترددين عليه سواء من المرضى أو العاملين”.
كما أكد رشاد أن المشروع ينسجم مع توجه الدولة في إقامة بنية صحية قوية داخل المدن الجديدة، مشيرًا إلى أن مدينة العبور تُعد من أكثر المدن الواعدة، وتخدم شريحة واسعة من السكان، ما يجعل وجود مستشفى حكومي أمرًا ضروريًا وليس رفاهية.
في قلب الجمهورية الجديدة: الصحة حق للجميع
إن مشروع مستشفى العبور لا يمكن فصله عن سياق أوسع، هو ما يعرف بمفهوم “الجمهورية الجديدة”، والتي ترتكز في جوهرها على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في الخدمات، خاصة في الصحة والتعليم.
تسعى الدولة من خلال المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، ومشروعات الهيئة العامة للرعاية الصحية، ووزارة الصحة، إلى رفع كفاءة البنية الصحية، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، وإنشاء مستشفيات جديدة، وتحديث القائمة القديمة.
ويأتي مستشفى العبور كواحد من بين عشرات المشروعات الصحية التي يجري تنفيذها في مختلف المحافظات، لكنه يكتسب أهمية خاصة كأول مستشفى حكومي في مدينة العبور، وبسعة وإمكانيات تجعله نموذجًا يُحتذى به في المدن الجديدة الأخرى.
نظرة مستقبلية: إلى أين يتجه المشروع؟
مع قرب انتهاء الأعمال، بدأت وزارة الصحة في وضع خطة للتشغيل، تشمل تحديد الكوادر البشرية المطلوبة، من أطباء واستشاريين وفنيين وممرضين، بالإضافة إلى توفير الأجهزة الطبية، وتأسيس نظام إداري رقمي حديث يواكب التحول الرقمي في القطاع الصحي.
كما يجري التنسيق مع وزارتي التعليم العالي والاتصالات، لتوفير دورات تدريبية للعاملين على أحدث النظم والتقنيات، خاصة في أقسام العناية المركزة وغرف العمليات والطوارئ.
ويُتوقع أن يتم افتتاح المستشفى رسميًا خلال الربع الأول من عام 2026، ليبدأ في استقبال المرضى وتقديم خدماته على مدار الساعة.
من مدينة ناشئة إلى مدينة نموذجية
الحديث عن مستشفى العبور العام ليس حديثًا عن مبنى، بل عن إرادة دولة، ورؤية قيادة، وتكاتف مؤسسات، وإيمان بأن الصحة حق أصيل لكل مواطن. ما يحدث في مدينة العبور هو ترجمة عملية لوعد قديم: أن تكون حياة الإنسان في قلب الأولويات.
وعندما تفتح أبواب المستشفى أبوابها لاستقبال أول مريض، فإنها في الوقت ذاته تفتح بوابة الأمل لآلاف الأسر، وتؤكد أن الجمهورية الجديدة لم تأتِ بشعارات، بل بمشروعات، وأنها تمضي في طريق البناء الحقيقي للإنسان قبل البنيان.





