
تمثل ثورة 23 يوليو 1952 واحدة من أكثر اللحظات الفاصلة في التاريخ المصري الحديث، فقد كانت نقطة انطلاق لتحولات جذرية في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة المصرية. بدأ الحراك الثوري ليلة الثالث والعشرين من يوليو بقيادة حركة “الضباط الأحرار”، الذين أقدموا على الإطاحة بالملك فاروق وإنهاء الحكم الملكي، لتمضي مصر بعد ذلك في مسار مختلف كليًا.
ورغم مرور أكثر من سبعة عقود على هذا الحدث التاريخي، لا تزال كواليسه، لا سيما اللحظات الأخيرة من عصر الملكية، تثير الفضول والأسئلة، وتحظى بتوثيق دقيق في كتب ومذكرات عدد من الشخصيات التي صنعت الثورة أو عاصرتها. نستعرض في هذا التقرير أبرز ما جاء في تلك الشهادات، من خلال أربعة أعمال أساسية أرّخت لليلة الثورة وما سبقها من تحركات.
“22 يوليو: أطول يوم في تاريخ مصر” – شهادة جمال حماد
في كتابه الذي صدر عن دار الهلال عام 1983، يرصد جمال حماد، أحد الضباط الأحرار، تفاصيل الساعات التي سبقت اندلاع الثورة، تحت عنوان لافت: “22 يوليو.. أطول يوم في تاريخ مصر”. يتناول الكتاب، الواقع في 282 صفحة، أجواء التوتر صباح يوم 22 يوليو، والسبب في تقديم موعد الثورة، بالإضافة إلى تساؤلات جوهرية ما زالت تُطرح حتى اليوم: من هو المؤسس الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار؟ هل هو عبد الناصر أم السادات؟ ومن كان القائد الفعلي للثورة؟ محمد نجيب أم فؤاد صادق؟
ويكشف حماد عن الخطط العسكرية التي جرى إعدادها بعناية، وتحركات الوحدات الثائرة ليلة 23 يوليو، وسط تساؤلات عن مدى معرفة القصر الملكي بتحركات الضباط في تلك الساعات الحاسمة.
“ملفات ثورة يوليو”.. 122 شهادة من قلب الحدث
أما الصحفي طارق حبيب، فقد قدّم مجهودًا توثيقيًا ضخمًا استغرق منه خمس سنوات من العمل، ليخرج بكتابه “ملفات ثورة يوليو”، الذي صدر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر عام 1997 في 504 صفحات. وقد تولى يونان لبيب رزق تقديم هذا العمل التاريخي.
جمع حبيب في كتابه شهادات 122 شخصية من صناع الثورة ومعاصريها، وأجرى معهم حوارات غير تقليدية، منحته القدرة على استخراج أسرار دفينة من قلب الأحداث. يبدأ الكتاب من أربعينيات القرن العشرين، مارًا بكواليس ثورة 23 يوليو، ثم يمتد حتى وفاة جمال عبد الناصر وتولي أنور السادات الحكم في 1970.
تكمن قوة الكتاب في تنوع مصادره؛ إذ يضم شهادات من الضباط الأحرار، ومن شخصيات سياسية وفكرية من أطياف متعددة، بعضها كان مع الثورة، والبعض الآخر وقف ضدها، ما يمنح القارئ صورة بانورامية عن مصر في واحدة من أهم مراحلها.
“ليلة الثورة”.. يوسف صديق كما لم يُروَ من قبل
من الشهادات المميزة التي تضع القارئ مباشرة داخل الحدث، تأتي مذكرات يوسف منصور صديق، أحد أبرز أبطال ليلة 23 يوليو، والذي يرجع إليه الكثيرون الفضل في نجاح الحركة. إذ تحرك مبكرًا قبل الموعد المحدد، ونجح في السيطرة على مركز قيادة الجيش، مما أربك قوات الملك وقطع الطريق على تحركات مضادة.
هذه المذكرات، التي قام بتقديمها المؤرخ الدكتور عبد العظيم رمضان، تفتح نافذة خاصة على موقف صديق المختلف عن بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة، وإيمانه العميق بالديمقراطية، وهو ما كان سببًا لاحقًا في استبعاده من المجلس. تكشف الأوراق عن شخصية ثورية فريدة، حملت مبادئ لم تتماهَ لاحقًا مع اتجاهات الحكم الجديد، لكنها بقيت شاهدة على اللحظة المصيرية التي أنقذت الثورة من الفشل في مهدها.
“شهود الثورة”.. 60 شهادة في حوارات حمروش
الكاتب والمؤرخ أحمد حمروش، أحد الضباط الأحرار وعضو اللجنة المصرية للتضامن، قدّم عملًا توثيقيًا نادرًا بعنوان “شهود ثورة يوليو”، يجمع فيه شهادات أكثر من 60 شخصية، ممن شاركوا في الثورة أو عاصروها أو حتى وقفوا ضدها.
ما يميز هذا العمل أن حمروش، بوصفه واحدًا من أبناء الثورة، لم يكتف بسرد الأحداث، بل حرص على تقديم خلفية شخصية لكل من حاورهم: من تاريخ الميلاد والمهنة إلى الرتبة العسكرية والدور في الثورة. كان الهدف بناء صورة شاملة ومتنوعة عن لحظة التحول الوطني.
ومن بين أبرز من استضافهم في شهاداتهم: حسن إبراهيم، ثروت عكاشة، خالد محيي الدين، عبد اللطيف البغدادي، كمال الدين حسين، عبد المنعم أمين، فؤاد سراج الدين، كمال رفعت، يوسف منصور صديق، بالإضافة إلى حمروش نفسه.
وثائق الثورة.. سرد متعدد الأصوات
تجمع هذه الأعمال الأربعة خيوط القصة المصرية الكبرى ليلة 23 يوليو، لا من خلال سرد تاريخي أحادي، بل عبر شهادات متعددة الأصوات. من قلب الثكنات العسكرية، ومن خلف جدران القصر، ومن مكاتب الصحافة ومنابر الفكر، خرجت هذه الروايات لتوثق تحول مصر من مملكة تترنح على وقع الأزمات، إلى جمهورية جديدة كان لها ما لها وعليها ما عليها.
وتبقى تلك الشهادات، رغم اختلاف زواياها وتوجهات أصحابها، جزءًا أصيلاً من التاريخ الوطني، تمنح الأجيال الجديدة فهمًا أعمق لما جرى في تلك الليلة التي غيّرت وجه مصر إلى الأبد.




