
كتبت / دينا زكريا
لطالما اعتقد العلماء أن أسماك القرش كائنات صامتة تسبح في صمت داخل المحيطات، معتمدة فقط على حواسها المتطورة وأساليبها الخاصة في التواصل مثل لغة الجسد والإشارات الكيميائية. إلا أن اكتشافًا حديثًا قلب هذا الاعتقاد رأسًا على عقب، حيث استطاع العلماء لأول مرة تسجيل أدلة قاطعة على أن بعض أنواع أسماك القرش تصدر أصواتًا مميزة.
يعد هذا الاكتشاف اختراقًا علميًا في فهم سلوكيات هذه الكائنات البحرية الغامضة، حيث أظهرت الأبحاث السابقة أن معظم الأسماك المعروفة بإصدار الأصوات تفعل ذلك باستخدام أكياسها الهوائية أو من خلال احتكاك عظامها. لكن كيف يمكن لأسماك القرش، التي لا تمتلك أكياسًا هوائية، إصدار أصوات؟ هذا هو السؤال الذي شغل العلماء ودفعهم إلى البحث عن أدلة تثبت أو تنفي هذه الفرضية.
كيف تم الاكتشاف؟
خلال بعثات بحثية متعددة في أماكن مختلفة من المحيطات، استخدم العلماء تقنيات متطورة مثل المسجلات الصوتية عالية الحساسية وكاميرات الفيديو تحت الماء المجهزة بمستشعرات صوتية دقيقة. خلال هذه الدراسات، لوحظت بعض الأنواع من أسماك القرش وهي تصدر أصواتًا غير متوقعة تتنوع بين الطقطقة والخرير وأصوات تشبه الدمدمة العميقة.
إحدى الدراسات التي أُجريت على “قرش القط المخطط” أظهرت أنه يمكنه إنتاج صوت يشبه الدمدمة عن طريق انقباضات سريعة في عضلاته. كما رُصدت أنواع أخرى تقوم بإحداث أصوات نتيجة احتكاك أسنانها ببعضها أو احتكاك أجزاء من جسدها.
ما الهدف من هذه الأصوات؟
في محاولة لفهم دوافع أسماك القرش لإصدار هذه الأصوات، اقترح العلماء عدة تفسيرات منها:
- التواصل الاجتماعي: قد تستخدم بعض الأنواع هذه الأصوات لجذب الأزواج أثناء موسم التزاوج أو لتحذير منافسيها.
- الدفاع عن النفس: يمكن أن تكون هذه الأصوات وسيلة تخويف ضد المفترسات أو الكائنات التي تقترب أكثر من اللازم.
- تحديد مناطق النفوذ: بعض أسماك القرش قد تستخدم الأصوات للإعلان عن وجودها في منطقة معينة وإبعاد المنافسين.
- التواصل مع الصغار: يمكن أن تساعد هذه الأصوات في توجيه صغار أسماك القرش أو تحذيرها من الأخطار.
التحديات التي واجهت العلماء
لم يكن الوصول إلى هذا الاكتشاف بالأمر السهل، إذ واجه العلماء عدة تحديات مثل:
- الطبيعة المتحفظة لأسماك القرش: كونها كائنات غير اجتماعية نسبيًا، فإن مراقبتها تتطلب وقتًا طويلًا وصبرًا كبيرًا.
- بيئة المياه المالحة: تتداخل الموجات الصوتية في البحر مع العديد من الأصوات الأخرى، مما يجعل من الصعب التمييز بين الأصوات الطبيعية للمحيط وأصوات أسماك القرش.
- التكنولوجيا المناسبة: احتاج العلماء إلى تطوير معدات قادرة على التقاط الترددات المنخفضة التي لا تستطيع الأذن البشرية سماعها بسهولة.
ما أهمية هذا الاكتشاف؟
- فهم أعمق لسلوك أسماك القرش: يمكن لهذا الاكتشاف أن يغير الطريقة التي ننظر بها إلى أسماك القرش، حيث لم تعد تُعتبر كائنات صامتة تمامًا.
- تعزيز جهود الحماية: فهم كيفية تواصل أسماك القرش قد يساعد في تصميم استراتيجيات أفضل لحمايتها، خاصة الأنواع المهددة بالانقراض.
- إعادة النظر في النظريات السابقة: قد يؤدي هذا الاكتشاف إلى مراجعة العديد من النظريات حول كيفية تواصل الأسماك فيما بينها، وربما يفتح الباب لاكتشافات أخرى.
تأثير الأصوات على البشر والبيئة البحرية
من المعروف أن التلوث الضوضائي الناجم عن الأنشطة البشرية مثل النقل البحري، والتنقيب عن النفط، والصيد الصناعي يؤثر بشكل كبير على الحياة البحرية. ومع اكتشاف أن أسماك القرش تصدر أصواتًا، يصبح من الضروري دراسة مدى تأثير الضوضاء البشرية على قدرتها على التواصل.
إذا كانت الأصوات تلعب دورًا حاسمًا في حياة أسماك القرش، فقد يؤدي الضجيج البشري إلى تعطيل تفاعلها الطبيعي وربما التأثير على أنماط تكاثرها وسلوكها اليومي.
مستقبل البحث في هذا المجال
هذا الاكتشاف ليس إلا البداية، حيث يخطط العلماء لإجراء المزيد من الأبحاث حول كيفية إصدار أسماك القرش لهذه الأصوات وما إذا كان هناك اختلافات بين الأنواع المختلفة. كما يسعون لتحديد ما إذا كانت هناك أصوات خاصة بالمواقف المختلفة، مثل الصيد أو التفاعل مع الأسماك الأخرى.
التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي قد تلعب دورًا كبيرًا في تحليل أنماط الأصوات وربطها بسلوكيات معينة. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن تساعد التقنيات الحديثة في تطوير أنظمة مراقبة بيئية قادرة على تتبع التواصل الصوتي بين الكائنات البحرية، مما يوفر بيانات قيمة تساعد في فهم النظام البيئي البحري بشكل أفضل.
لطالما كانت أسماك القرش من أكثر الكائنات البحرية إثارة للدهشة والغموض، ويأتي هذا الاكتشاف الجديد ليضيف بُعدًا آخر إلى فهمنا لهذه الكائنات الرائعة. بفضل الجهود البحثية المستمرة، أصبح من الواضح أن عالم المحيطات لا يزال يحمل العديد من الأسرار التي لم تُكتشف بعد. ومع تقدم العلم والتكنولوجيا، قد نصل يومًا إلى فهم أعمق للعلاقات المعقدة بين الكائنات البحرية وكيفية تواصلها، مما يمكننا من الحفاظ على التوازن البيئي في محيطاتنا للأجيال القادمة.