
دينا زكريا
في حياة كل إنسان لحظات فارقة تكشف له حقيقة العلاقات التي يحيط بها نفسه، لحظات تتجلّى فيها مرارة الصمت وصدمة الغياب، حين يكتشف أنّ من منحهم قلبه ووقته واهتمامه لا يبادلون هذا الشعور حتى بأبسط تصرف: مكالمة قصيرة أو رسالة اطمئنان.
إنّ الحب الحقيقي لا يختبئ خلف الأعذار الواهية ولا يختزل في كلمات جميلة تذوب مع أول انشغال مؤقت، بل يتجلّى في الأفعال الصغيرة التي تنبض بالاهتمام. الشخص الذي يحبك بصدق، مهما كان مشغولًا، سيجد طريقًا للوصول إليك، سيهتم بمعرفة أخبارك، وسيسعى إلى سماع صوتك ولو لدقائق قليلة.
لكن الواقع كثيرًا ما يصفعنا بحقيقة مختلفة؛ أشخاص نظنّ أنّهم أقرب إلينا من أنفسنا، ننتظر منهم التفاتة أو سؤالًا، بينما هم غارقون في حياتهم، لا يتذكرون حتى أننا على قيد الحياة. في تلك اللحظة المؤلمة، تتكشف الحقيقة كاملة: من لا يهتم بك، لا يراك مهمًا بما يكفي في حياته.
لا أحد على هذه الأرض يتجاهل من يحبّه بصدق، ولا أحد يترك من يعتز به عالقًا في صمت الانتظار. الاهتمام لا يُستجدى، والحب لا يُنتزع بالقوة. لذلك، توقف عن إقناع نفسك بأن الانشغال عذر دائم، أو أنّ صمتهم علامة محبة خفية. فالحقيقة واضحة كالشمس: من يريدك، سيقترب منك مهما كانت الظروف، ومن لا يريدك، سيتركك تواجه الوحدة مهما حاولت.
وهنا يأتي القرار الأصعب والأكثر شرفًا: أن تحفظ كرامتك قبل قلبك. لا تقتل نفسك عاطفيًا في سبيل أشخاص لم يعودوا يرون وجودك ذا قيمة. لا تسمح لأحد أن يطفئ نورك الداخلي بإهماله. رتب نفسك، امسح آثارهم من قلبك، وأكمل الطريق وحدك دون انتظار رسالة أو اتصال لن يأتي.
أغلق الفصل القديم بلا ندم، وامضِ نحو حياة جديدة لا مكان فيها لمن تجاهلوك عمدًا. ففي نهاية المطاف، أعظم أشكال الحب تبدأ من حبك لذاتك، واحترامك لقيمتك، ورفضك للبقاء في مساحة لا تُقدَّر فيها كرامتك.





