
كتبت / دينا زكريا
هناك لحظات في الحياة لا تحتاج إلى نقاش طويل أو مشهد درامي كي تترك أثرها، يكفي جملة واحدة تُقال بصوتٍ هادئ، لكنها تحمل خلفها وجعًا لم يُقَل، وتغلق بابًا كان يُفتح كل مرة باسم الحب. “ما عليك عتب.. أنا اللي بالغت فيك” ليست مجرد عبارة عابرة، بل إعلان انتهاء شعورٍ استُنزف على مهل، حتى آخر نقطة صدق فيه.
في العلاقات، لا يولد الوجع من الخذلان فقط، بل من الإفراط في التقدير. من المبالغة في منح الأمان لشخصٍ لم يكن يومًا جديرًا بهذا القدر من الثقة. نحن من نُفرط في إحسان الظن، نُغلف الأخطاء بالعذر، ونُفسر الصمت بالحياء، والغياب بالانشغال. نُبرر كل ما يوجعنا لأننا لا نريد أن نرى الحقيقة. الحقيقة التي تقول ببساطة: لم يكن يحبك بنفس الطريقة.
“ما عليك عتب”.. هذه الجملة تُقال حين نصل إلى مرحلة النضج العاطفي بعد خيبات كثيرة. مرحلة نتوقف فيها عن اللوم، لا لأن الألم انتهى، بل لأننا فهمنا أن العتب لا يُصلح شيئًا، وأننا كنا الطرف الأكثر صدقًا في علاقة غير متكافئة في المشاعر.
العتب يعني أننا ما زلنا ننتظر شيئًا، والانتظار يعني أننا لم نتعلم بعد الدرس الذي كلفنا الكثير.
كم مرة بالغنا في أحدٍ لا يرى فينا سوى محطة عبور؟ كم مرة رفعنا من شأن أشخاصٍ لم يُقدروا وجودنا؟ كم مرة صدقنا وعودًا لم تولد أصلًا؟ في كل مرة نفعل ذلك، نُنزف قليلًا من كرامتنا دون أن نشعر، حتى نصل إلى النقطة التي نقول فيها بوضوح: أنا السبب، لا أنت.
ليس ضعفًا أن تعترف بأنك بالغت في أحد، بل شجاعة. شجاعة الاعتراف بأنك أحببت من قلبك، لكنك أخطأت في التقدير. شجاعة مواجهة نفسك قبل أن تواجه الآخر. فهناك فرق كبير بين أن تكون ضحية، وأن تكون متعلمًا من التجربة. الأول يعيش في دور المظلوم، والثاني يخرج أكثر حكمة وهدوءًا.
في النهاية، العلاقات لا تُقاس بطول مدتها، بل بصدق مشاعرها. أحيانًا، شهرٌ واحد من الصدق يُغني عن سنواتٍ من التمثيل. وأحيانًا، كلمة حقيقية تُغلق جرحًا مفتوحًا منذ زمن.
حين تقول “ما عليك عتب”، فأنت لا تتنازل، بل تتحرر. تتحرر من الحاجة إلى التبرير، ومن عبء الأسئلة التي لا جواب لها، ومن محاولة إقناع نفسك بأن الأمور ستتغير.
هذه الجملة تعني أنك وصلت إلى نقطة “السلام الداخلي”، حيث لم تعد تبحث عن رد، ولا تنتظر اعتذارًا، لأنك عرفت قيمتك جيدًا. عرفت أن المبالغة في شخصٍ لا يرى قيمتك، ليست حبًا، بل إهدارًا للذات.
وفي اللحظة التي تقول فيها “أنا اللي بالغت فيك”، تكون قد أغلقت الدائرة بأناقة، بلا ضجيج، بلا انتقام، بلا بكاء. فقط بنضجٍ يجعل الطرف الآخر يدرك – متأخرًا – كم كانت خسارته كبيرة.
فأجمل النهايات ليست تلك التي تُكتب بالدموع، بل تلك التي تُقال فيها جملة واحدة، بسيطة، هادئة، ولكنها تختصر كل شيء:
“ما عليك عتب.. أنا اللي بالغت فيك.”




