
القاهرة – مجلس النواب
شهدت الجلسة العامة لمجلس النواب اليوم مناقشات ساخنة بشأن مشروع قانون الإيجار القديم المقدم من الحكومة، وسط انتقادات حادة من عدد من النواب بشأن ما اعتبروه “قصوراً جوهرياً” في بنود المشروع، وغياباً واضحاً للرؤية المتكاملة حول أهم الملفات المرتبطة بالإسكان والعدالة الاجتماعية.
النائب إيهاب منصور: القانون يفتقد للتوازن ولم يراعِ الفئات غير القادرة
في مداخلة قوية، أعرب النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، عن رفضه لمشروع القانون بصيغته الحالية، مشيرًا إلى أن التشريع المقترح لم يتناول عدة مسائل محورية، على رأسها مصير الفئات غير القادرة من المواطنين، لا سيما أولئك الذين يتقاضون معاش “تكافل وكرامة”.
وقال منصور إن الحكومة لم تقدم أية بيانات دقيقة أو حصر واقعي بأعداد هؤلاء المستفيدين من الدعم الاجتماعي، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة حول كيفية التعامل مع هذه الشريحة عند تطبيق القانون. وأضاف: “القانون لم يحقق التوازن المطلوب، ولم يتطرق كذلك إلى ملف المنازل والعقارات شديدة الخطورة، والتي تحتاج إلى خطة واضحة للصيانة والدعم الفني”.
وأكد النائب أنه في حال إقرار القانون بصيغته الحالية، فإن الحزب الذي ينتمي إليه سيتقدم بتعديلات تشريعية جوهرية لمعالجة أوجه القصور، وضمان تحقيق العدالة للمستأجرين والملاك على حد سواء.
رئيس البرلمان يطالب الحكومة بالرد على تساؤلات النواب
من جانبه، طالب المستشار الدكتور حنفي جبالي، رئيس مجلس النواب، ممثلي الحكومة بتسجيل كافة التساؤلات والملاحظات التي أبداها النواب، تمهيدًا للرد عليها عقب الانتهاء من مناقشة مشروع القانون من حيث المبدأ.
وأكد جبالي أن هذا المشروع يُعد من التشريعات التي تلامس حياة ملايين المواطنين، مشددًا على ضرورة أن تتعامل الحكومة مع هذه الملاحظات بمنتهى الجدية والوضوح، لا سيما فيما يتعلق بالإحصاءات والدراسات التي تدعم القرارات المقترحة.
النائب أحمد خليل خير الله: الإيجار القديم مرآة الحكومات.. والتعامل مع القانون يحتاج شجاعة
وفي مداخلة أخرى، قال النائب أحمد خليل خير الله، ممثل الهيئة البرلمانية لحزب النور، إن قانون الإيجار القديم كان ولا يزال مرآة تعكس مواقف كل الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة. وأضاف: “كل مجلس كان يشعر أن فتح هذا الملف سيجلب له الغرق، كان يتجنبه، لكننا اليوم أمام لحظة حقيقية، وكل من في القاعة حريص على مصلحة المواطن”.
وتابع خليل قائلاً: “نحن أمام قانون يحمل وجهين قاسيين، كلاهما مر، لكننا نعمل انطلاقًا من نية صادقة لإرضاء الله وخدمة المواطنين. لكن تبقى المخاوف قائمة، وخصوصًا في ظل غياب الاستعداد الحكومي الكامل لتطبيق القانون“، موضحًا أن أربعة محافظات فقط تستحوذ على 82% من الوحدات السكنية الخاضعة لقانون الإيجار القديم، مما يستوجب خطة واضحة تراعي التوزيع الجغرافي والسكاني لهذه الوحدات.
وأشار إلى أن الجميع – نوابًا وشعبًا – يشعر بالقلق تجاه مصير المستأجرين الأوائل وكبار السن، مؤكدًا: “أتحدى أن يكون هناك نائب واحد غير قلق على هذا البند تحديدًا”.
مطالبات بإحصاءات دقيقة وتعهدات حكومية مطمئنة
وأبدى النائب خليل سعادته بكثرة تساؤلات رئيس المجلس الموجهة لوزير الإسكان ورئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، معتبرًا أنها تعكس اهتمامًا حقيقيًا بضرورة التحقق من الجوانب الفنية والتفصيلية للقانون.
وقال: “المفروض نخرج النهارده برسالة واضحة للمواطنين: اطمئنوا، البرلمان حريص عليكم، ولن يمر أي قانون إلا بما يضمن مصلحتكم وسلامتكم الاجتماعية والاقتصادية”.
بين حماية المستأجر وحقوق المالك.. القانون بحاجة إلى “صياغة رشيدة”
يثير قانون الإيجار القديم دائمًا موجات من الجدل بين المواطنين والمختصين؛ إذ يقع في منطقة حرجة بين حقوق الملاك الذين يرون في استمرار القانون انتقاصًا من ملكيتهم وعدالة السوق، وبين مخاوف المستأجرين الذين يخشون من فقدان مساكنهم دون بدائل مناسبة أو دعم كافٍ.
وفي ظل هذه التجاذبات، يبدو أن البرلمان أمام مهمة تشريعية دقيقة تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة، والتوازن بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والدستورية.
ويظل التساؤل الأبرز معلقًا في أروقة المجلس: هل تمتلك الحكومة خارطة طريق واضحة، وإحصائيات دقيقة، وآليات تنفيذ عادلة، تمكنها من تطبيق القانون دون أن تمس شرائح ضعيفة أو تنشر القلق بين المواطنين؟ أم أن القانون بحاجة إلى مراجعة شاملة قبل أن يخرج إلى النور؟
قانون الإيجار القديم ليس مجرد نص تشريعي، بل هو انعكاس لصراع تاريخي بين احتياجات المجتمع المختلفة. ومع تزايد الأصوات البرلمانية المطالبة بالتريث وإعادة النظر، يبدو أن المشهد لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه ردود الحكومة، وتحركات النواب في قادم الجلسات.




