دينا زكريا
وسط عالم يموج بالتغيرات السريعة، وتحت ضغوط تصاعدية على أمن المنطقة واستقرارها، تبرز مصر كأحد أهم أعمدة التوازن الإقليمي، وصمام أمان في منطقة الشرق الأوسط. هذا الدور لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من السياسة الرشيدة والمواقف الثابتة، لكنه ازداد رسوخًا في السنوات الأخيرة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أرسى دعائم مدرسة مصرية في الدبلوماسية الهادئة والواقعية السياسية.
هذا ما أكده الدكتور السعيد غنيم، النائب الأول لرئيس حزب المؤتمر، مشيرًا إلى أن مصر لم تغب يومًا عن المشهد الإقليمي، بل كانت دائمًا فاعلًا رئيسيًا في تشكيل معادلات الأمن والسلام، وها هي تواصل أداء هذا الدور بثبات ووعي في وقت تتغير فيه موازين القوى وتتعاظم التحديات.
توازن واقعي في زمن التحولات
قال الدكتور غنيم إن السياسة الخارجية المصرية تستند إلى توازن دقيق بين الواقعية السياسية من جهة، والدبلوماسية الهادئة من جهة أخرى، ما يجعلها شريكًا لا غنى عنه في أي ترتيبات دولية تهدف لضمان السلم والأمن في الإقليم. وأضاف: “في ظل ما يشهده العالم من تحولات كبرى، تواصل مصر القيام بدورها بثبات وعقلانية، واضعة مصلحة شعوب المنطقة نصب عينيها، وساعية إلى مستقبل يسوده الأمن والتنمية.”
مصر.. الوسيط العاقل وصوت العقل
وأشار النائب الأول لرئيس حزب المؤتمر إلى أن مصر، وعلى مدار العقود الماضية، لعبت دورًا محوريًا في حفظ الاستقرار، لكنها خلال العقد الأخير عززت مكانتها الإقليمية بشكل لافت، خصوصًا في ملفات الوساطة والتهدئة ومكافحة الإرهاب وصون الأمن القومي العربي.
ولعل أبرز تجليات هذا الدور كانت في جهود الوساطة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، حين تدخلت مصر في أوقات حرجة لمنع انفجار الأوضاع وفرضت تهدئة رغم تعقيد المشهد الإقليمي والدولي. ومثلما رفضت القاهرة الانجرار إلى التصعيد، فإنها شددت دائمًا على أن الحلول العسكرية لا تنتج إلا مزيدًا من الفوضى، بينما الطريق الوحيد للسلام يمر عبر التفاهمات السياسية الشاملة.
رؤية مصر في الملف الإيراني – الإسرائيلي
وفي سياق متصل، أوضح الدكتور غنيم أن الموقف المصري من التصعيد الإيراني الإسرائيلي جاء متزنًا ورافضًا لمنطق الحرب، حيث دعت القاهرة إلى ضبط النفس واعتماد لغة الحوار، انطلاقًا من قناعتها الراسخة بأن الصراعات العسكرية لا تؤسس إلا لدوامات من عدم الاستقرار، وتضع المنطقة بأسرها في مهب الخطر.
شراكات استراتيجية في شرق المتوسط
ولم تكتف مصر بالمواقف الدبلوماسية، بل تحركت بفاعلية لتعزيز مصالحها الإقليمية، لا سيما في منطقة شرق البحر المتوسط. وهنا، يشير الدكتور السعيد غنيم إلى توقيع مصر لاتفاقيات استراتيجية مع كل من اليونان وقبرص، في مجالات الطاقة وحماية الحدود البحرية ومكافحة الهجرة غير النظامية، ما أسهم في ترسيخ أمن المتوسط وتوازناته الجيوسياسية.
ثلاثية السياسة الخارجية المصرية
واختتم الدكتور غنيم حديثه بالتأكيد على أن السياسة الخارجية المصرية تنطلق من ثلاث ركائز رئيسية:
-
عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، احترامًا لسيادة الدول وسعيًا لاستقرارها.
-
حل الأزمات عبر الحوار والتفاوض، ورفض منطق القوة والهيمنة.
-
مساندة الجيوش الوطنية ودعم وحدة التراب الوطني، باعتبار ذلك الضامن الأول للاستقرار والعدو الأبرز لأي محاولات للفوضى أو التقسيم.
صوت الحكمة في منطقة تموج بالنيران
في النهاية، تواصل مصر أداء دورها كـ”صوت الحكمة” في منطقة تموج بالصراعات والتوترات. فهي لا تسعى إلى الهيمنة، ولا تتورط في مغامرات عسكرية، لكنها تبني نفوذها عبر الثقة والاعتدال والاتزان، وتؤمن بأن قوتها الحقيقية تكمن في تأثيرها الناعم ومصداقيتها التاريخية.
ولذلك، تبقى القاهرة الرقم الصعب في معادلات الإقليم، والدولة التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن السلام، أو عند رسم خرائط المستقبل في الشرق الأوسط.




