محافظات بلدنا

مسجد الشيخ إبراهيم باشا.. “أزهر الإسكندرية” الذي أنار عقول طلاب المغرب العربي قبل قرنين_ صور

دينا زكريا

بين الأزقة الضيقة لمنطقة المنشية بوسط الإسكندرية، حيث تلتقي رائحة التاريخ بنبض البحر، ينهض مسجد الشيخ إبراهيم باشا شامخًا بصموده، كواحد من أقدم وأعرق المساجد الأثرية في المدينة، في موقع لا يبعد كثيرًا عن سوق المغاربة وميدان سانت كاترين، الذي يروي قصة تسامح ومقاومة، علم وصراع نفوذ، تفيض بتفاصيلها جدران هذا المسجد العثماني الطراز.

ورغم اختباء المسجد خلف زحام المنشية الحديثة، تظل له سيرة فريدة، ليس فقط باعتباره مكانًا للعبادة، بل بوصفه منبرًا علميًا عظيمًا، أطلق عليه البعض اسم “أزهر الإسكندرية”، إذ كان ملاذًا لطلاب العلم من أنحاء العالم الإسلامي، خاصة من بلاد المغرب العربي، الذين قصدوه لطلب العلوم الشرعية، كما قصدوا من قبل جامع الأزهر في القاهرة.

منبر العلم الذي شُيّد قبل قرنين

تضارب التواريخ المحفورة على جدران المسجد يُضفي عليه غموضًا يزيده هيبة. ففي حين تشير بعض النقوش إلى أن تأسيسه تم عام 1240 هجريًا، أي عام 1819 ميلاديًا، فإن المدخل الآخر، المطلّ على شارع “طلبة العلم”، يخلد عامًا مختلفًا تمامًا، هو 1204 هجريًا، الموافق لعام 1783 ميلاديًا، مما يرجح وجود بناء سابق أعيد ترميمه أو توسعته لاحقًا.

لكن ما لا يختلف عليه اثنان، أن المسجد لعب دورًا روحيًا وثقافيًا بارزًا في تاريخ المدينة. حيث كان مركزًا لتلقي العلوم الشرعية، وضمّ بين جدرانه شيوخًا كبارًا تتلمذ على أيديهم طلاب من مختلف الأقطار، خاصة من المغرب العربي، الذين استقر العديد منهم في المنطقة، وكانوا جزءًا من النسيج السكاني والثقافي النابض في المنشية الصغرى.

f3baf5f5731497068fbdfb66b3f886af

هيكل معلق ومسجد بطابقين

يصف الأثري إسلام محمد، الخبير بآثار الإسكندرية، المسجد بأنه “مُعلّق”، وهو وصف يُطلق على المساجد المبنية على طابق أرضي مخصص للنشاطات الاقتصادية. فالدور الأول من مسجد الشيخ إبراهيم باشا مكوّن من عشرات المحلات التجارية، يزيد عددها على 30 محلًا، تُمثل نظام وقف تقليدي، حيث يعود ريعها لصالح المسجد وطلبة العلم المقيمين فيه.

ويقع المسجد بجوار سور سوق المغاربة، ويجاوره أيضًا أول فرع لمحل “مسعد فتح الله” الشهير بتجارة التوابل والعطارة منذ عام 1948، الذي أسّس لعائلة “فتح الله” المعروفة اليوم في عالم التجارة بالإسكندرية.

المسجد بُني على الطراز العثماني المميز، بسقفه المقبب، وأعمدته الرخامية، وزخارفه المتقنة، التي تجمع بين الروحانية والفخامة. ويضم المسجد مقامًا صوفيًا أنشئ بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات عام 1974، ما يضيف بعدًا صوفيًا إلى وظيفته الدينية والتعليمية.

عقوبة فتوى وكنائس المنشية

ورغم دوره الديني البارز، لم يكن الشيخ إبراهيم باشا في مأمن من الصدامات السياسية في عصره. إذ أصدر ذات يوم فتوى تُحرّم على المسلمين أكل ذبائح اليهود والمسيحيين، وهي فتوى أثارت غضب والي مصر حينذاك محمد علي باشا.

ردّ محمد علي على الشيخ إبراهيم لم يكن تقليديًا، بل جاء بطريقة تحمل في طياتها الكثير من الرمزية السياسية والدينية، حيث أصدر قرارًا بتحويل جزء من أراضي المنشية التي كانت تحت ولاية الشيخ، إلى أراضٍ مخصصة لبناء كنائس تخدم الجاليات الأجنبية المقيمة في المدينة. وهكذا نشأ ميدان “سانت كاترين”، الذي يضم اليوم أكثر من عشر كنائس تمثل طوائف مختلفة من العالم المسيحي.

هذا التحول لم يكن مجرد نزاع ديني، بل يعكس فلسفة حكم محمد علي، الذي حاول ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة متعددة الطوائف، في مواجهة تيارات دينية تقليدية قد تعيق سياساته الانفتاحية.

شارع “طلبة العلم”.. الأزهر الساحلي

ليس بعيدًا عن المسجد، يمر شارع صغير يُعرف باسم “طلبة العلم”، أطلق عليه أهل الإسكندرية هذا الاسم تكريمًا للدور العلمي الذي لعبه المسجد. هذا الشارع، الذي تنبعث منه روائح المطبوعات القديمة والمكتبات الصغيرة، كان ذات يوم طريق الحالمين بالمعرفة، المتجهين صوب دروس الفقه والنحو والحديث، في أزهر المدينة الساحلية.

ويُقال إن المسجد، بشيوخه وطلابه ومُدرسيه، كان يُجري اختبارات شبيهة باختبارات الأزهر الشريف، وكان يمنح الطلاب إجازات علمية في العلوم الإسلامية، تُعادل شهادات علماء القاهرة.

رمزية باقية في قلب المدينة

في قلب مدينة طغت عليها مظاهر الحياة الحديثة، لا يزال مسجد الشيخ إبراهيم باشا يُمثّل ذاكرة حيّة لماضٍ غني بالعلم والتنوع والتصوف والصراع. فهو ليس مجرد بناء أثري أو مزار ديني، بل شاهد على تقاطع مسارات متعددة: الدين والسياسة، التجارة والعلم، التراث والانفتاح.

ورغم ما مرّ عليه من تحولات، وهجر البعض له لصالح المساجد الحديثة أو الجامعات النظامية، يبقى المسجد – بكل ما يحمله من تفاصيل – أحد أبرز معالم الإسكندرية التي تستحق إعادة الاكتشاف، لا فقط كأثر معماري، بل كمحطة حضارية سكنت فيها الأرواح قبل أن يطويها النسيان.

33045 مسجد ابراهيم باشًا بالإسكندرية 106300 مسجد ابراهيم باشًا بالإسكندرية قديما 287961 المسجد

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى