
دينا زكريا
في قلب الصحراء الواقعة شمال بحيرة قارون بمحافظة الفيوم، تمتد واحدة من أثمن الكنوز الجيولوجية في مصر والعالم؛ إنها غابة جبل قطراني المتحجرة، تلك الرقعة الفريدة التي تجمّد فيها الزمن منذ أكثر من 34 مليون سنة، لتصبح سجلًا مفتوحًا لأشكال الحياة القديمة، ومختبرًا طبيعيًا لعشرات الباحثين في علوم الأرض والأحياء القديمة.
ورغم أن الفيوم تزخر بالعديد من المحميات الطبيعية والمواقع البيئية ذات الأهمية العالمية، فإن غابة جبل قطراني وحدها كفيلة بأن تعيد رسم خريطة تطور الحياة في شمال إفريقيا، إذ تُعد اليوم إحدى أشهر الغابات المتحجرة في العالم، ومنطقة جذب علمي وسياحي تزداد أهميتها عامًا بعد عام.
موقع استثنائي يعيد قراءة التاريخ الجيولوجي للقارة
تقع الغابة المتحجرة في الجزء الشمالي لبحيرة قارون، على مقربة من محاجر البازلت الشهيرة. وتمتد على مساحة تقارب 110 كيلومتر مربع بحسب تقديرات هيئة تنشيط السياحة بمحافظة الفيوم، ما يجعلها أكبر سجل بيئي مكشوف في المنطقة، وواحدة من أهم الشواهد على الحياة النباتية والحيوانية التي ازدهرت في هذا المكان قبل ملايين السنين.
وقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة جهودًا لتطوير الموقع وتحويله إلى متحف جيولوجي مفتوح، يعرض أجزاءً من جذوع الأشجار المتحجرة، إضافةً إلى حفريات لكائنات برية وبحرية اندثرت منذ زمن بعيد، في محاولة لإتاحة هذا الإرث الطبيعي للزوار والباحثين على حد سواء.
34 مليون سنة في طبق من الصخر
تشير السجلات العلمية إلى أن غابة جبل قطراني المتحجرة تنتمي إلى عصر الأوليجوسين، الذي يعود إلى نحو 33–34 مليون سنة مضت. وفي تلك الفترة، شهدت المنطقة تحولات مناخية هائلة أدت إلى انحسار البيئات البحرية، وصعود بيئات الغابات الكثيفة، لتتشكل واحدة من أغنى البيئات الطبيعية بالتنوع الحيوي.
ولا تزال آثار تلك الغابة القديمة ماثلة أمام الزائرين، حيث تمتد بقاياها المتحجرة على مساحة تقارب 30 كيلومترًا مربعًا، تضم:
-
أكثر من 1126 شجرة متحجرة
-
22 نوعًا مختلفًا من الأشجار العملاقة
-
جذوع يصل طول بعضها إلى 44 مترًا
-
بقايا ثمار وأوراق متحجرة في حالة حفظ مذهلة
-
حفريات لحيوانات ضخمة كانت تجوب المنطقة في ذلك الزمن السحيق
ويقول الباحثون إن ما يجعل هذه الغابة فريدة جدًا هو أنها تحتفظ بنسب عالية من التنوع الحيوي القديم، إذ تُظهر بقاياها 14 رتبة من الكائنات من أصل 28 رتبة معروفة عالميًا حتى الآن، ما يشير إلى أنها كانت بيئة نابضة بالحياة تشبه إلى حد كبير الحياة الحالية في بعض غابات إفريقيا الاستوائية.
قبلة للجيولوجيين وعلماء الحفريات
لا تُعد الغابة المتحجرة مجرد موقع أثري طبيعي، بل تُعتبر واحدة من أكثر المناطق جذبًا للباحثين والدارسين من مختلف أنحاء العالم. إذ تكشف الحفريات الموجودة فيها عن مراحل معقدة من تاريخ الأرض، وتساعد العلماء على دراسة:
-
أنماط التغير المناخي القديمة
-
تطور الغابات الاستوائية
-
معدلات التحجر والتحول الجيولوجي
-
تطور الثدييات الكبيرة التي عاشت في المنطقة
ولعل ما يميز موقع جبل قطراني عن غيره من مواقع الأخشاب المتحجرة حول العالم هو اتساع المنطقة وتنوع الحفريات وتداخل البيئات البرية والبحرية معًا، ما يمنح الباحث فرصة فريدة لدراسة أنظمة بيئية مختلفة في موقع واحد.
الأخشاب المتحجرة عبر العالم… لكن الفيوم حالة خاصة
ورغم أن الخشب المتحجر موجود في معظم قارات العالم باستثناء القارة القطبية الجنوبية، ويظهر في دول مثل الولايات المتحدة، الأرجنتين، البرازيل، الصين، إندونيسيا، المملكة المتحدة، نيوزيلندا، أستراليا، وأوكرانيا، فإن غابة جبل قطراني تظل من بين الأغنى والأكثر حفظًا من حيث حجم الأشجار وتنوع الكائنات المتحجرة.
فالعديد من المواقع العالمية تحتوي على قطع منفصلة من الأخشاب المتحجرة، بينما يضم موقع الفيوم نظامًا بيئيًا كاملًا متحجرًا، يشمل الأشجار والحيوانات والثمار وحتى الحشرات البحرية والبرية التي كانت تعيش في تلك المنطقة.
منطقة تستحق العالمية.. وفرص سياحة بيئية واعدة
ومع تزايد الاهتمام بالسياحة البيئية في مصر، تمثل غابة جبل قطراني كنزًا لم يتم استثماره بالكامل حتى الآن. فقد بدأت بعض الجهود لتحويلها إلى نقطة جذب تعليمية وسياحية من خلال:
-
إنشاء مسارات زيارات منظمة
-
إعداد لوحات تفسيرية تشرح تاريخ الأشجار والكائنات
-
تطوير منطقة زيارة مُهيئة للباحثين
-
تحويل المكان إلى متحف طبيعي مفتوح
هذه الخطوات، وإن كانت بداية جيدة، فإنها تفتح الباب أمام طموحات أكبر مثل إدراج المنطقة على قائمة مواقع التراث الطبيعي العالمي، لما تحتويه من قيمة علمية وإنسانية استثنائية.
إن غابة جبل قطراني المتحجرة ليست مجرد مساحة من الصخور الصامتة، بل هي أرشيف كامل لتاريخ الأرض، وموقع يقدّم صورة بانورامية لتغيرات المناخ والحياة عبر ملايين السنين. إنها صفحة لا تزال مفتوحة لكل من يرغب في قراءة أسرار الماضي، وتبقى واحدة من أعظم الشواهد على قدرة الطبيعة على حفظ تاريخها بطرق تفوق خيال الإنسان.





