
كتب / محمد أحمد عواض عز
– حين نتأمل جوهر الرسالة الإسلامية، ندرك أن العبادة في الإسلام لا تُختزل في الطقوس، بل تمتد لتشمل الإنسان وكرامته واحتياجاته. ومن هنا يمكن فهم المعنى العميق لفكرة “تحويل القبلة نحو الفقراء والمحتاجين”؛ لا بوصفها تحولًا مكانيًا، بل تحولًا قيميًا وأخلاقيًا يوجّه القلوب قبل الأجساد.
– فالقرآن الكريم ربط الإيمان الحقيقي بالفعل الاجتماعي، فقال تعالى:﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ﴾.
– فالبر هنا ليس شكلاً، بل مضمونًا إنسانيًا قوامه العطاء والعدل والتكافل.
– فالزكاة ليست مجرد التزام مالي، بل هي أداة إصلاح اجتماعي ونفسي. فهي تطهّر النفس من الأنانية، وتكسر حاجز الطبقية، وتعيد توزيع الرحمة قبل المال. حين تؤدى الزكاة بحقها، تتحول من رقم يُدفع إلى رسالة أمان اجتماعي يشعر بها الفقير قبل الغني.

– وقد جعل الإسلام الزكاة ركنًا من أركانه، في إشارة واضحة إلى أن إقامة الدين لا تكتمل دون صيانة الإنسان من الفقر والعوز. فالفقر إذا تُرك دون علاج، قد يتحول إلى نقمة نفسية واجتماعية تهدد استقرار المجتمعات.
– أما الصدقة، فهي الوجه الإنساني اليومي للإيمان. لا تُقاس بكثرتها، بل بصدقها واستمراريتها. الصدقة تخلق جسورًا من الود بين الناس، وتُشعر المحتاج بأنه مرئي ومسموع، لا منسي ولا مهمش.
– قال النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، في دلالة عميقة على أن قيمة العطاء في أثره، لا في حجمه.
– إن تحويل القبلة نحو الفقراء يعني أن تصبح قضاياهم في صدارة الوعي المجتمعي، وأن تتحول القيم الدينية إلى سلوك عملي يعالج الفقر، لا يبرره، ويواجه الظلم، لا يتعايش معه. فالمجتمع السليم هو الذي يشعر فيه الضعيف بالأمان، قبل أن يشعر القوي بالرفاه.
– إن الزكاة والصدقة ليستا حلولًا مؤقتة، بل منهج حياة يرسخ العدالة الاجتماعية ويصنع توازنًا إنسانيًا راقيًا. وحين تتجه القلوب بصدق نحو الفقراء والمحتاجين، يصبح المجتمع كله أقرب إلى الله، وأكثر قدرة على الحياة بسلام وتماسك.




