محافظات بلدنا

العثور على نفق صخري ضخم غرب الإسكندرية بعمق 13 مترًا وطول 1305 أمتار.. واكتشاف رأسين بطلميين وقطع فخارية وأجزاء معبد تابوزيريس و16 دفنة صخرية

اكتشافات جديدة غرب الإسكندرية تكشف أسرار مدينة غارقة عاشــت آلاف السنين

على مدار قرون طويلة، ظلّت الإسكندرية إحدى أهم المدن التي مرّ عليها التاريخ الإنساني، واحتضنت حضارات متعددة تركت بصماتها الحجرية والإنسانية في كل شبر من أرضها. فمنذ العصر اليوناني مرورًا بالبطلمي والروماني، كانت المدينة مركزًا للقيادة والحكم، وموطنًا للعلوم والفنون والفلسفة، وتقاطعت على شواطئها طرق التجارة والإبداع والمعرفة. وبرغم تغيّر ملامحها عبر الزمن، لا تزال الإسكندرية الحديثة تحمل بين طبقاتها بقايا المدن القديمة التي اختفت أجزاء واسعة منها تحت مياه البحر، بفعل الزلازل والهزّات العنيفة التي ضربت الساحل الشمالي عبر العصور.

وجاء الإعلان الأخير عن اكتشاف أثري ضخم غرب الإسكندرية بمنطقة الكينج مريوط ليعيد تسليط الضوء على أسرار تلك الحضارات الغارقة، وليؤكد أن ما نعرفه عن المدينة ليس إلا جزءًا بسيطًا من تاريخ أعمق بكثير مما يظهر على السطح.


نفق صخرى على عمق 13 مترًا.. اكتشاف يقلب موازين المعرفة

نجحت البعثة الأثرية المصرية الدومينيكانية التابعة لجامعة سان دومينجو، بقيادة العالمة الشهيرة الدكتورة كاثلين مارتينز، في الكشف عن واحد من أهم الاكتشافات في تاريخ غرب الإسكندرية: نفق ضخم منحوت بالكامل داخل الصخر، يبلغ طوله نحو 1305 متر، وارتفاعه 2 متر، ويمتد تحت الأرض بعمق يصل إلى 13 مترًا، ضمن منطقة معبد تابوزيريس ماجنا الأثري.

ويشبّه الباحثون هذا النفق بتصميم نفق “يوبيلينوس” في اليونان، لكنه أطول منه بكثير، ما جعله يوصف بأنه “إعجاز هندسي” يعكس مدى التقدم المعماري للعصور القديمة. وقد تبيّن أن جزءًا من هذا النفق مغمور بالكامل تحت مياه البحر المتوسط، مما يرجّح أنه تعرّض للغرق بفعل زلازل متتابعة عبر القرون.

وخلال أعمال الحفر، عثرت البعثة أيضًا على رأسين مصنوعين من الألباستر؛ أحدهما يُرجّح أنه لرجل من العصر البطلمي، والثاني ربما يمثل تمثالاً لأبو الهول، ما يعكس أهمية المنطقة كمركز ديني وحكومي قديم.

إلى جانب ذلك، تم العثور على أوانٍ فخارية وجرار خزفية مدفونة تحت طبقات من الرواسب الطينية، إضافة إلى كتلة حجرية ضخمة من الحجر الجيري، وهي مؤشرات قوية على أن أجزاء من معبد تابوزيريس ماجنا الأساسية قد غمرتها المياه، لكنها ما تزال محفوظة تحت الطمي والرمال.


23 زلزالًا.. ومدينة تنهار تحت الأمواج

يؤكد الدكتور محسن مختار، أستاذ التاريخ بالمعهد العالمي للآثار بالإسكندرية، أن هذا الاكتشاف يعد من أهم ما ظهر في السنوات الأخيرة، لأنه يكشف اتساع نطاق الحياة في منطقة صحراء الكينج مريوط، وليس في قلب الإسكندرية القديمة فقط.

ويضيف في تصريحاته لـ”اليوم السابع” أن الساحل المصري تعرّض بين عامي 320 و1303 ميلادية لما لا يقل عن 23 زلزالًا كبيرًا، كان لها دور محوري في انهيار أجزاء من معبد تابوزيريس ماجنا، وغرقها في البحر، وهو ما تثبته الأدلة الجيولوجية والأثرية الحالية.


اكتشافات متتابعة.. قطع نقدية ونقوش وتماثيل ومومياوات

ليست هذه هي المرة الأولى التي تكشف فيها البعثة عن أسرار مهمة داخل معبد تابوزيريس ماجنا، فقد أسفرت مواسم الحفائر السابقة عن العثور على مجموعة كبيرة من القطع الأثرية المهمة، بينها:

  • عملات معدنية نادرة تحمل صور الملكة كليوباترا والإسكندر الأكبر.

  • تماثيل مقطوعة الرأس تعود للعصر البطلمي.

  • تماثيل للإلهة إيزيس، إحدى أهم الآلهة التي انتشرت عبادتها في العالم القديم.

  • شبكة أنفاق تمتد بين بحيرة مريوط والبحر المتوسط.

  • 16 دفنة داخل مقابر صخرية استخدمت في العصرين اليوناني والروماني.

  • مومياوات محفوظة تُظهر ملامح دقيقة لعمليات التحنيط في تلك العصور.

هذه المكتشفات تزيد من قوة الاعتقاد بأن المنطقة ربما كانت مدينة كبرى عامرة بالسكان والمباني والأنشطة الدينية، وأن مساحتها وامتدادها يفوق ما كان يُعتقد سابقًا.


مدينة أبو صير.. هضبة تعلو التاريخ

تقع منطقة أبو صير الأثرية على هضبة صخرية شاهقة تتوسط البحر المتوسط وبحيرة مريوط، على امتداد الطريق الساحلي بين الكيلو 45 و49 غرب الإسكندرية. وتضم الهضبة مدينتين أثريتين بارزتين:

  • تابوزيريس ماجنا إلى الغرب

  • مدينة بلنتين إلى الشرق

ورغم أن آثار المدينتين الظاهرة تعود للعصر البطلمي، إلا أن بعض اللقى البسيطة المكتشفة حديثًا تشير إلى أنها ربما ترجع إلى الحقبة الفرعونية المتأخرة.


معبد ضخم.. جدران ترتفع 9 أمتار وتاريخ محفور في الحجر

يعد معبد تابوزيريس ماجنا أحد أهم المعالم المعمارية القديمة في المنطقة، حيث لا تزال جدرانه الخارجية قائمة حتى الآن بارتفاع يصل إلى 9 أمتار، وقد شُيّدت من كتل ضخمة من الحجر الجيري المستخرج من محاجر المنطقة القديمة.

ويتضمّن مدخل المعبد صرحين ضخمين على واجهته الشرقية، يتوسطهما باب رئيسي يؤدي إلى الداخل، كما توجد في واجهة الصرحين أربعة أخاديد كانت تُستخدم لتثبيت الأعلام في الاحتفالات الرسمية.

وبداخل المعبد، عُثر على حجرات متعددة، أكبرها حجرة شمالية اكتُشف أسفل أرضيتها كنز أثري يضم:

  • إبريقًا برونزيًا

  • مصباحًا أثريًا

  • طبق قرابين

  • ميزانًا صغيرًا

  • تماثيل متعددة

  • مبخرة فريدة التصميم

وتعود هذه المجموعة إلى العصرين البطلمي والروماني، ما يعكس ازدهار الطقوس الدينية في المكان.


من مدينة بطلمية إلى مركز بيزنطي.. ثم حصن عسكري

تطورت المنطقة بشكل لافت خلال عصر الإمبراطور البيزنطي جستنيان، إذ أُنشئت فيها حمامات عامة، وأسواق تجارية، ومبانٍ سكنية راقية، كما أقيم فيها قصر حكومي مهم نظرًا لازدهار الحركة التجارية. وظهرت مؤخرًا أدوات عبادة للإلهة إيزيس في الموقع، مما يعكس استمرار قدسية المكان لقرون.

وفي فترة لاحقة، تحول المعبد إلى حصن عسكري، وهو ما يفسر اختفاء بعض عناصره المعمارية الداخلية، واستخدام أعمدة وعناصر رخامية يونانية في ترميم أسواره.


منازل صخرية.. فسيفساء ومحراب وعمارة بطلمية محفوظة

على سفح الهضبة أسفل المعبد، عُثر على مجموعة من المنازل المنحوتة في الصخر، بينها:

  • منزل مرصوف أرضيته بالفسيفساء

  • منزل ذو رواق جميل يتوسطه عمود مزدوج

  • منزل مزود بنظام لتجميع مياه الأمطار وتخزينها في صهريج محكم

كما اكتُشف معبد صغير مكوّن من قاعة مستطيلة وباب جنوبي، وفي جداره الشمالي محراب مرتفع يؤدي إليه درج من ثلاث درجات، بالإضافة إلى مقاعد حجرية تمتد على جانبي الحجرة.

مدينة غارقة ما زالت تحكي

تؤكد هذه الاكتشافات المتتالية أن الإسكندرية ليست مجرد مدينة عصرية على شاطئ المتوسط، بل هي طبقات متراكمة من الحضارات المتعاقبة. كل طبقة تحمل قصة، وكل حجر يخفي سرًا، وكل نفق قد يقود إلى مدينة كاملة طمرها البحر منذ قرون.

وما يجري الكشف عنه اليوم غرب الإسكندرية قد يكون البداية فقط؛ فالأرض هناك ما تزال تحتفظ بكثير من المفاجآت، والبحر ما زال يخفي أسرار حضارة كانت يومًا في أوج مجدها قبل أن تبتلعها الأمواج.

197 203735 egypt discovers archaeological tunnel 700x400 1 2022 638031161837499453 749 58105 النفق الصخرى المكتشف غرب الإسكندرية 4 124441 النفق الصخرى المكتشف غرب الإسكندرية 3 1936525 0 202412200116381638 OIP 7 تفاصيل النفق الصخري المكتشف2

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية ومدونات متعددة. أمتلك خبرة تتجاوز أربع سنوات في مجال الكتابة والتدوين، حيث أحرص على تقديم محتوى مميز يجمع بين الإبداع والدقة، مع التركيز على جذب القارئ وتقديم المعلومات بشكل سلس وواضح. المهارات والخبرات: كتابة المقالات الإخبارية: إعداد تقارير وتحليلات شاملة تغطي أحدث الأخبار المحلية والعالمية. التدوين: كتابة مقالات متنوعة تغطي مجالات مثل التكنولوجيا، الصحة، التنمية الشخصية، وريادة الأعمال. تحسين محركات البحث (SEO): صياغة محتوى متوافق مع معايير السيو لتحسين ظهور المقالات في نتائج البحث. إدارة المحتوى: التخطيط للنشر، وإعداد جداول تحريرية، وتنظيم الحملات الرقمية. التدقيق اللغوي: ضمان خلو النصوص من الأخطاء اللغوية والنحوية لتقديم محتوى عالي الجودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى