
كتبت / دينا زكريا
في زمنٍ تتسارع فيه الخطوات وتشتد فيه الأزمات، يبقى الإنسان في أشد الحاجة إلى شيء قد لا يُشترى ولا يُقاس بثمن: الطبطبة. تلك اللمسة الإنسانية التي لا تُختزل في كلمة أو إيماءة، بل هي فعل روحي يعيد ترتيب الداخل الممزق، ويمنح المكسور شعوراً بأن الحياة لا تزال قادرة على أن تحتضنه.
قد يظن البعض أن الطبطبة ضعف، أو مجرد مجاملة عابرة، لكنها في حقيقتها شكل من أشكال القوة. القوة التي تتجلى في اللين، والقدرة على أن تكون “كتفاً” لغيرك وقت الشدائد، لا مجرد عابرٍ يمر بجانب آلامهم. فالطبطبة هي رسالة صامتة تقول: “أنا هنا معك.. ولن أحكم عليك.”
لغة لا تعرف النقد
في الوقت الذي يغلب فيه النقد الجارح على الألسنة، تأتي الطبطبة لتعيد التوازن. كلمات اللوم كثيرة، وسهام الاتهام أسرع من أن تُحسب، لكن القلوب التي تعرف معنى الحب تدرك أن الإنسان في لحظة انكساره لا يحتاج إلى محاضرات، بل إلى احتضان.
الحب هنا ليس رومانسية عابرة، بل موقف وجودي. هو قرار أن تختار أن ترى في الآخر إنسانيته قبل خطأه، وأن تضع يدك على جرحه لا لتضغط عليه، بل لتسكّنه.
الأزمات تكشف معادن القلوب
لا يُختبر الصديق أو القريب في أوقات الفرح بقدر ما يُختبر في الأزمات. هناك من يختفي حين تثقل الأحمال، وهناك من يحضر لا ليقدّم الحلول السحرية، بل ليشارك الحمل. قد لا يستطيع أن يغيّر الواقع، لكنه على الأقل يُشعر الآخر أن معركته ليست وحده. وهذا وحده كافٍ أحياناً ليجعل الإنسان يواصل السير.
الكتف الذي يُعوَّل عليه
في الذاكرة الجمعية للإنسان، الكتف ليس مجرد عضو جسدي، بل رمز للأمان. الطفل حين يخاف يختبئ في كتف أمه، والعاشق حين يتألم يبحث عن كتف حبيبه، والصديق حين يُرهقه الطريق يضع رأسه على كتف صديقه.
ذلك الكتف الذي يشيل الأحمال ليس دائماً الأقوى جسداً، لكنه الأقوى روحاً. الكتف الذي يتعلم كيف يحتوي دون أن يسأل: “لماذا تبكي؟” بل يترك دموعك تنساب كما تشاء.
مجتمع يحتاج إلى الطبطبة
لو نظرنا إلى مجتمعاتنا اليوم، لوجدنا أن كثيراً من الجراح مصدرها غياب ثقافة الاحتواء. النقد حاضر في كل زاوية: في البيت، في العمل، وحتى على منصات التواصل الاجتماعي. الجميع مستعد أن يصدر حكماً، وقليلون فقط يعرفون كيف يقدمون الطبطبة.
مجتمع يكثر فيه اللوم يقل فيه التعافي، ومجتمع يكثر فيه الاحتواء يصبح أكثر قوة وتماسكاً. فالطبطبة ليست رفاهية، بل ضرورة إنسانية تُبنى بها علاقات صحية، وأوطان متماسكة.
ربما لا نستطيع أن نمنع الأزمات، ولا أن نُبعد عن الآخرين الجراح، لكننا نستطيع أن نكون “روحاً حلوة” تعرف معنى الطبطبة. أن نكون ذلك الكتف الذي يشيل الحمل، والقلب الذي يفتح أبوابه للحب بدل النقد والجرح.
فالعالم يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أشخاص يفهمون أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الطبطبة أحياناً أهم من ألف علاج.





