االإسكندرية د . ز
تظلّ الإسكندرية، العاصمة الثانية لمصر، مدينةً تحمل عبق التاريخ وسحر الحاضر معًا، حيث تتقاطع الأزمنة وتتعانق الحضارات على شواطئها الممتدة. هي المدينة التي لا تزال تحتفظ برائحة البحر وصوت الأمواج، تروي حكايات الملوك والخلفاء والعشّاق الذين مرّوا بها، وترسم اليوم لوحة نابضة بالحياة تجمع بين الأصالة والبهجة والهواء المملوء بالملح والذكريات.
ومن بين كنوزها الكثيرة، تبرز حدائق المنتزه الملكية وقلعة قايتباي كأيقونتين خالدتين تختزلان جوهر الإسكندرية في مزيج فريد من التاريخ والجمال والهواء البحري الطازج.
حدائق المنتزه.. الخُضرة الملكية التي لا تشيخ
في أقصى شرق الإسكندرية، حيث تتلاطم أمواج البحر الأبيض المتوسط على شواطئها الرملية، تمتد حدائق المنتزه الملكية على مساحة تزيد عن 370 فدانًا من الجمال الطبيعي النادر. هذه الحدائق التي أنشئت في نهاية القرن التاسع عشر بأمر من الخديوي عباس حلمي الثاني، ما زالت تحتفظ بهيبتها الملكية حتى اليوم، وكأنها لوحة زيتية رسمها الزمن بعناية فائقة.
كانت المنتزه في الأصل استراحة صيفية للعائلة المالكة، لكنها اليوم تحولت إلى مقصد لعشرات الآلاف من الزوار سنويًا، ممن يبحثون عن نسمة هواء نقية وفسحة خضراء تريح العين والقلب. ويبلغ سعر الدخول 40 جنيهًا للفرد، مقابل رحلة في قلب التاريخ والطبيعة.
يُدهشك عند دخولك المنتزه ذلك التناغم الفريد بين البحر والغابات، بين القصور والأشجار، حيث تصطف أشجار النخيل والسرو والفيكس والبونسيانا في ممرات أنيقة تفتح الطريق نحو قصر المنتزه الشهير، الذي يتوسط الحدائق كجوهرة على تاج الإسكندرية.
وجه آخر للجمال.. البحيرات الصناعية والشلالات
تعدّ منطقة البحيرات الصناعية والشلالات من أبرز ما يجذب الزوار في السنوات الأخيرة، بعد تطويرها لتتحول إلى لوحة فنية تمزج بين الطبيعة والتصميم الحديث. هناك، يمكنك أن تسمع خرير المياه وهي تنساب عبر الشلالات الصغيرة التي تزين أرجاء الحديقة، بينما تمتد مساحات “اللاند سكيب” الخضراء في كل اتجاه.
وتتوزع البروجولات الشجرية في أرجاء المنتزه لتمنح الزوار لحظات من الظل والسكينة. هذا التطوير جعل المنطقة مقصداً للعائلات والشباب والمصورين الباحثين عن خلفية طبيعية تخلّد لحظات السعادة.
وفي أيام الأعياد والإجازات، تتحول المنتزه إلى كرنفال حيّ، حيث تمتزج ضحكات الأطفال مع موسيقى البحر، وتصبح كل زاوية في المكان لوحة نابضة بالحياة. كما يزداد الإقبال في فصل الشتاء، حين تتلألأ أشعة الشمس الدافئة على العشب النديّ، في مشهد يندر أن تراه في أي مكان آخر.
بين القصور والطواحين.. عبق التاريخ في قلب الطبيعة
تضم حدائق المنتزه عددًا من المعالم التاريخية التي تضيف إلى سحرها رونقًا خاصًا، مثل طاحونة المنتزه التي تعد من أقدم الطواحين في العالم، وبرج الساعة الذي كان يضبط به أفراد الأسرة الملكية أوقاتهم في الماضي، وكشك الشاي المطلّ على البحر والذي كان ملتقى نخبويًّا للخديوي وضيوفه من كبار رجال الدولة.
أما قصر المنتزه نفسه، فهو تحفة معمارية تجمع بين الطرازين الإسلامي والأوروبي، بني ليكون استراحة صيفية للخديوي عباس حلمي الثاني، وما زال يحتفظ ببهائه حتى اليوم، شاهداً على حقبة ملكية ثرية بالأناقة والفخامة.
ولمن يرغب في اكتشاف الحديقة دون عناء السير الطويل، يمكنه ركوب الطفطف الملكي الذي يجوب أرجاء المنتزه في جولة مبهجة تُظهر كل تفاصيل المكان على أنغام البحر والنسيم العليل.
قلعة قايتباي.. حارسة البحر وأيقونة التاريخ
وعلى الطرف الآخر من المدينة، في منطقة بحري بحي الجمرك، تقف قلعة قايتباي شامخةً منذ أكثر من خمسة قرون، تحرس البحر وتحكي قصة الصمود والإبداع. شُيّدت القلعة في القرن الخامس عشر على يد السلطان الظاهر سيف الدين قايتباي في موقع منارة الإسكندرية القديمة، إحدى عجائب الدنيا السبع التي دمرها الزلزال.
اليوم، ما تزال القلعة من أهم المعالم الأثرية في مصر، وتجذب أكثر من 50 ألف زائر وسائح سنويًا من داخل البلاد وخارجها. وفي الأعياد والإجازات، تتحول ساحة القلعة إلى لوحة مفعمة بالحياة والبهجة، حيث تمتزج أصوات الباعة والموسيقى مع هدير الموج.
رحلة بين أروقة التاريخ
زيارة قلعة قايتباي ليست مجرد جولة في بناء قديم، بل تجربة حسية كاملة. من اللحظة التي تعبر فيها البوابة الحجرية الضخمة، تبدأ رحلة عبر الزمن. تصعد سلالم القلعة القديمة، تمر بين السراديب الحجرية والمدافع الأثرية التي واجهت الغزاة يومًا ما، وتطل من النوافذ على البحر الذي يمتد حتى الأفق، وكأنك تعيش مشهدًا من فيلم تاريخي.
وفي تجربة فريدة هي الأولى من نوعها في الإسكندرية، أطلقت وزارة السياحة والآثار عام 2024 عرض الصوت والضوء داخل القلعة، ليحكي الزمان نفسه قصة المكان. تبدأ العروض في الثامنة والنصف مساءً، وتستمر حتى العاشرة والنصف في أجواء مبهرة تمزج الضوء بالحكاية.
ساحة القلعة.. بهجة البحر والتاريخ معًا
تتميز ساحة القلعة بمساحتها الواسعة التي تتيح للزوار التنزه بحرية وركوب الدراجات والخيول في مشهد يجمع بين المتعة والتراث. وعلى مقربة منها يمتد الممشى السياحي الذي يعجّ بالحياة طوال العام، حيث تنتشر البازارات الصغيرة التي تبيع الهدايا التذكارية.
تجد هناك قواقع البحر المصقولة بألوانها الطبيعية، والإكسسوارات اليدوية المصنوعة منها، والهدايا الفرعونية التي تستهوي السائحين الأجانب. المكان يعكس روح الإسكندرية القديمة، بتجارتها الصغيرة ودفء أهلها وبساطة سحرها.
متاحف تحكي البحر وأسراره
ولعشاق عالم البحار، يمكن زيارة متحف الأحياء المائية القريب من القلعة، وهو واحد من أقدم المتاحف البحرية في الشرق الأوسط. يضم المتحف مجموعة مدهشة من الكائنات البحرية من البحرين الأحمر والمتوسط، إضافةً إلى أنواع من المحيطات الأخرى. هناك يمكن للزائر مشاهدة أسماك نادرة وسامة ذات أسنان حادة، وكأنها خرجت لتوّها من أعماق مغامرة بحرية.
وفي الجهة المقابلة يقع متحف المحنطات البحرية، الذي يعرض مجموعة نادرة من الأسماك المحنطة أبرزها هيكل ضخم لتمساح اكتُشف منذ أكثر من مئة عام، وعدد من حفريات الأسماك القديمة، إضافةً إلى معروض استثنائي يجذب الأنظار — عروس البحر المحنطة، ذلك الكائن الأسطوري الذي طالما أثار خيال الناس وأسطورة البحارة.
القلعة من البحر.. رحلة لا تُنسى
ولا تكتمل زيارة القلعة دون خوض تجربة الرحلات البحرية التي تنطلق من مرسى اليخوت المجاور. هناك يمكنك استئجار قارب يأخذك في جولة بحرية تمتد من القلعة حتى مكتبة الإسكندرية، في مشهد يأسر العيون بين زرقة البحر وملوحة الهواء وامتداد الكورنيش الذي يعانق المدينة.
كما يمكن لزوّار المنطقة أن يستمتعوا بجولة على عربة الحنطور الشهيرة، التي تبدأ من القلعة وتمرّ عبر أهم معالم بحري، من قهوة فاروق إلى السيالة وميدان المساجد حتى مسجد المرسى أبو العباس، في رحلة تجمع بين الطابع الشعبي والنفَس التاريخي.
مواعيد العمل وتجربة المساء
تفتح قلعة قايتباي أبوابها في التاسعة صباحًا وتغلق في الثامنة مساءً خلال التوقيت الصيفي، لتتيح للزوار فرصة الاستمتاع بأشعة الغروب الذهبية التي تغمر أسوارها الحجرية العتيقة. أما عروض الصوت والضوء فتقام يوميًا بثلاثة مواعيد متتالية: 8:30، 9:30، و10:30 مساءً.
وما إن يُسدل الليل ستاره حتى تتلألأ القلعة بإضاءتها الجديدة، فتبدو كحارسة تتأمل البحر بهدوء وتروي للأمواج قصة الإسكندرية الخالدة.
الإسكندرية.. ذاكرة البحر وابتسامة الزمان
بين المنتزه وقايتباي، تتجسد روح الإسكندرية التي لا تشيخ. مدينة تفتح ذراعيها للزوار كما لو كانت تستقبل أبناءها العائدين من السفر. كل ركن فيها يحمل ذاكرة، وكل حجر يروي قصة. في المنتزه تتنفس عبير الطبيعة الملكية، وفي قايتباي تسمع صدى التاريخ، وفي المسافة بينهما تمتد حكاية مدينة ولدت من البحر وما زالت تعيش لأجله.
هي الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، التي لا تنام، ولا تملّ من أن تكون الحلم الذي يعود إليه المصريون كلما اشتاقوا للجمال والحياة.





















