يحتضن البحر الأحمر في مياهه الدافئة وصحرائه الممتدة عالماً مدهشاً من الطبيعة المتنوعة، يجمع بين الجبال الوعرة، والكثبان الرملية الذهبية، والجزر البحرية الفريدة، إضافة إلى ثروات معدنية وجيولوجية نادرة جعلت منه واحداً من أغنى بقاع مصر. ومن بين هذه الكنوز الطبيعية تبرز الأحجار الكريمة التي عُرفت منذ آلاف السنين، وعلى رأسها الزبرجد، الحجر النفيس الذي شكّل جزءاً مهماً من تاريخ الفراعنة، وارتبط بالصحراء الشرقية وجزر البحر الأحمر ارتباطاً وثيقاً.
جزيرة سان جونز.. أو جزيرة الزبرجد
في قلب مياه البحر الأحمر، وعلى بعد نحو 70 كيلومتراً من سواحل مرسى علم قبالة رأس بناس جنوب المدينة، تقع جزيرة سان جونز، التي عُرفت قديماً باسم جزيرة الزبرجد. هذه الجزيرة صغيرة المساحة – لا تتجاوز 4.5 كيلومتر مربع – لكنها تحمل قيمة تاريخية وجيولوجية استثنائية.
تتميز الجزيرة بشكلها المخروطي ولسانها الرملي الممتد بطول ثلاثة كيلومترات، يتراوح عرضه بين 15 و300 متر، ما يمنحها مظهراً فريداً وسط البحر. لكن أهميتها لا تقتصر على طبيعتها الساحرة، بل تمتد إلى كونها أقدم وأهم مناطق استخراج الزبرجد في العالم، إذ شكّلت منذ العصور الفرعونية وحتى القرون الوسطى المصدر الأساسي لهذا الحجر الكريم.
الدكتور أحمد غلاب، مدير عام محميات البحر الأحمر، أكد أن الجزيرة تمثل كنزاً جيولوجياً وبيئياً نادراً، قائلاً: “جزيرة الزبرجد ليست مجرد بقعة جغرافية على الخريطة، بل هي شاهد حي على تاريخ طويل من استخراج هذا الحجر النفيس، بجانب موقعها الاستراتيجي القريب من الممر الملاحي الدولي، ومواقع الغوص المحيطة بها التي تُعد من أبرز مناطق الجذب السياحي بالبحر الأحمر”.
تاريخ الزبرجد.. من الفراعنة إلى الرومان
عرف المصريون القدماء قيمة الزبرجد منذ عصور ما قبل الأسرات، حيث استخدموا أحجاره الصفراء والخضراء في صناعة الخرز والحُلي. ومع بداية الدولة الحديثة، أصبح الزبرجد من الأحجار الكريمة الأكثر طلباً، واعتُبر رمزاً للحماية والصفاء، فارتداه الملوك والكهنة وزُيّنت به التمائم والمجوهرات الملكية.
أما الرومان، فقد تابعوا خطى الفراعنة، واعتبروا جزيرة الزبرجد مصدراً لا غنى عنه للأحجار الكريمة. ويذكر أن الجزيرة استمرت كمصدر عالمي رئيسي للزبرجد منذ نحو 1300 ق.م وحتى قرون لاحقة، قبل أن تتوقف المحاجر التي كانت تعمل بها منذ عقود طويلة.
أندر الأحجار وأثمنها
من بين ما أُنتج في هذه الجزيرة، اشتهرت قطعة زبرجد عملاقة بلغ وزنها أكثر من 310 قيراط، وهي واحدة من أكبر الأحجار المكتشفة على مستوى العالم. هذه الجوهرة النفيسة محفوظة حالياً في متحف المعهد السِمِسثوني بواشنطن، لتظل شاهدة على قيمة الجزيرة ومكانتها في سجل التاريخ الجيولوجي.
الدكتور محمد أبو الوفا، مدير الوعي الأثري بالبحر الأحمر، أوضح أن الجزيرة ارتبطت بتراث عالمي لا يقدَّر بثمن، وأضاف: “جزيرة الزبرجد هي صفحة مضيئة من تاريخ الأحجار الكريمة، لكنها ليست الوحيدة في المنطقة، فهناك وديان بالصحراء الشرقية لعبت دوراً محورياً في هذا المجال، أبرزها وادي سكيت”.
وادي سكيت.. الممر التجاري ومعبد سرابيس
على بُعد مسافة ليست بعيدة من مرسى علم والقصير، يقع وادي سكيت، الذي شكّل محطة رئيسية للقوافل التجارية في طريقها إلى بلاد بونت الشهيرة بتجارتها مع مصر القديمة. أثناء مرور الفراعنة عبر هذا الوادي، اكتشفوا وجود الزمرد بكميات كبيرة، وهو ما دفعهم إلى استغلاله مبكراً.
ومع مجيء الرومان، تحولت المنطقة إلى مركز رئيسي لاستخراج الأحجار الكريمة. ولإبراز أهميتها، شيّدوا معبداً أطلقوا عليه اسم معبد سرابيس، الذي لا يزال قائماً حتى اليوم كأثر بارز يربط بين التاريخ والدين والتجارة في تلك الحقبة.
من التعدين إلى السياحة
رغم أن نشاط استخراج الزبرجد من هذه المناطق توقف منذ عقود، إلا أن قيمتها لم تتراجع. اليوم، باتت جزيرة الزبرجد ووديان الصحراء الشرقية من أبرز وجهات رحلات السفاري الجبلية، حيث يتوافد السياح للاستمتاع بجمال الطبيعة، واستكشاف المعابد الأثرية، والغوص في مياه البحر الأحمر الغنية بالشعاب المرجانية.
ويؤكد خبراء السياحة أن دمج البعد التاريخي مع الأنشطة السياحية الحديثة يمثل فرصة ذهبية لإحياء هذه المواقع الفريدة، بما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي ويبرز صورة مصر كوجهة تجمع بين الطبيعة والتراث.
ثروة تنتظر من يعيد اكتشافها
إن الحديث عن الزبرجد في البحر الأحمر ليس مجرد استعادة لصفحات من الماضي، بل هو دعوة لإعادة النظر في كنوز طبيعية وأثرية قد تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار السياحي والثقافي. فالجزيرة والوديان المحيطة بها ما تزال تحمل أسراراً لم تُكشف بعد، وتجسد مزيجاً رائعاً من الجمال الطبيعي والثراء الجيولوجي والتاريخي.
فمن سواحل مرسى علم إلى عمق الصحراء الشرقية، يظل الزبرجد حجر الحكاية، شاهداً على عظمة الحضارة المصرية القديمة، وجسراً يصل الماضي بالحاضر، في انتظار مستقبل يليق بقيمته ومكانته.





