يُعد متحف المجوهرات الملكية في الإسكندرية أحد أبرز المتاحف المصرية وأكثرها جذبًا للزوار من المصريين والأجانب على حد سواء. فهو ليس فقط مستودعًا نادرًا لمقتنيات أسرة محمد علي، بل تحفة معمارية تقف شاهدة على حقبة من أرقى فترات التاريخ المصري الحديث.
يقع المتحف في حي زيزينيا، داخل قصر فاطمة الزهراء حيدر، ويضم قطعًا نادرة لا مثيل لها في العالم، من بينها تاج الزهور الشهير الخاص بالملكة فريدة، والذي يُعد من أبرز معروضات المتحف وأكثرها جذبًا للأنظار.
تاج الزهور.. رمز الأناقة الملكية
يقول محمد سعيد، الخبير الأثري بالإسكندرية، إن تاج الزهور يُعتبر من أبرز قطع المجوهرات داخل المتحف، وقد صُنع من البلاتين ورُصع بأحجار ماس فاخرة على هيئة زهور بأحجام متدرجة، ما يمنحه مظهرًا فريدًا يفيض بالرقة والفخامة.
التاج ينتمي إلى الملكة فريدة، الزوجة الأولى للملك فاروق الأول، واسمها الحقيقي صافيناز ذو الفقار. وُلدت في 5 سبتمبر 1921 بحي جناكليس بالإسكندرية، وتزوجت من الملك في 20 يناير 1938. وقد تم تغيير اسمها إلى “فريدة” حتى يتماشى مع تقليد أسري فرضه الملك فؤاد الأول، حيث تبدأ أسماء أفراد العائلة المالكة بحرف “الفاء”، الذي كان يعتبره فألًا حسنًا.
شعبية ملكة لم تغب عن القلوب
يضيف سعيد أن الملكة فريدة كانت محبوبة بشدة من الشعب المصري، إذ تميزت بالرقي والذوق الرفيع، بالإضافة إلى مشاركتها الواسعة في الأعمال الخيرية، من زيارة دور الأيتام والمسنين إلى تنظيم الحفلات لدعم المحتاجين. وكان لطلاقها من الملك فاروق عام 1948 أثر سياسي واجتماعي بالغ، إذ ساهم في تراجع شعبية الملك وأضعف مركزه قبل اندلاع ثورة يوليو 1952.
من قصر أرستقراطي إلى متحف ملكي
قصر المجوهرات لم يكن في الأصل متحفًا، بل كان مقرًا صيفيًا للأميرة فاطمة الزهراء حيدر، حفيدة محمد علي باشا من الجيل الخامس، والتي بُني لها القصر عام 1923. القصر صُمم على الطراز الأوروبي بواسطة المعماري الإيطالي الشهير “أنطونيو لاشياك”، ويُعد نموذجًا فريدًا للعمارة الأوروبية المزدهرة في مصر خلال القرن العشرين.
وبعد ثورة 1952، صودرت أملاك الأسرة الملكية، وتحول القصر إلى استراحة رئاسية. لكن في عام 1986، صدر قرار جمهوري بتحويله إلى متحف للمجوهرات الملكية، وتم افتتاحه رسميًا في 29 أكتوبر من العام نفسه.
معمار متكامل ومحتوى نادر
يقع القصر في منطقة زيزينيا الراقية، ويتكون من جناحين شرقي وغربي، يربط بينهما ممر ذو شرفات على الجانبين. الجناح الغربي يتكون من طابقين يضمان قاعات وحمامات فخمة، ويحتوي المتحف على 13 قاعة عرض تضم نحو 1000 قطعة من المجوهرات الملكية الفاخرة والمقتنيات النادرة.
علبة الملبس.. ذكرى زفاف ملكي
من المقتنيات المميزة أيضًا داخل المتحف، علبة حلوى زفاف الملك فاروق والملكة فريدة، وهي علبة ملبس قُدمت للمدعوين في يوم الزفاف الملكي عام 1938. العلبة مصنوعة من الفضة المطلية بالذهب، ومغطاة بالمينا الخضراء، وزُينت بخطوط متقاطعة من الفضة. يتوسط الغطاء من الأعلى تصميم فني راقٍ يضم الحرفين الأولين من اسمي الزوجين “ف ف”، مُصممين في شكل مفتاح صول، يعلوه التاج الملكي.
المتحف اليوم.. محط أنظار عشاق التاريخ والجمال
يستقبل المتحف يوميًا أعدادًا كبيرة من الزوار، سواء من المواطنين أو السياح، الذين يأتون لمشاهدة مجوهرات فريدة تعود لعصر مضى. مجوهرات لم تُصنع نسخ منها، وتروي كل قطعة فيها قصة عن حياة القصور، وعن نساء ورجال صنعوا التاريخ وتربعوا على عروش مصر، قبل أن تُطوى صفحاتهم وتُحفظ ذكراهم خلف الزجاج، بين جدران متحف لا يزال ينبض بسحر الماضي.





