تمر اليوم الذكرى الـ38 لرحيل الكاتب والأديب المصري الكبير توفيق الحكيم، أحد أبرز رموز الثقافة العربية في القرن العشرين، والذي غيّب الموت صوته في مثل هذا اليوم، 26 يوليو من عام 1987، بعد مسيرة أدبية وفكرية أثرت المكتبة العربية وأشعلت الجدل حوله، خاصةً مع تهمة لطالما لاحقته طوال حياته: “عداوة المرأة”.
توفيق الحكيم.. المثقف بين صخب الحروب وصوت المسرح
وُلد توفيق الحكيم عام 1898، ليعيش التحولات الكبرى التي شهدها العالم في النصف الأول من القرن العشرين، حيث عاصر الحربين العالميتين الأولى (1914) والثانية (1939)، وكان شاهدًا على صعود وهبوط الفكر المصري بين فترات التنوير والانحدار، وهو ما عبّر عنه لاحقًا بمصطلح “العصر الشكوكي”، في إشارة إلى مرحلة ما قبل ثورة يوليو، والتي رأى أنها شهدت انحدارًا ثقافيًا ملحوظًا.
تأثر الحكيم بعمالقة الفكر والأدب المصري، فكان زميلًا أو معاصرًا لأسماء بحجم طه حسين، مصطفى صادق الرافعي، العقاد، أحمد أمين، وسلامة موسى، كما تناغم فنيًا مع أجواء موسيقية قادها سيد درويش وزكريا أحمد والقصبجي، وشهد أوج المسرح المصري بقيادة جورج أبيض ويوسف وهبي ونجيب الريحاني.
مسرحيات خالدة.. من “أهل الكهف” إلى “الأيدي الناعمة”
دخل توفيق الحكيم التاريخ المسرحي العربي من أوسع أبوابه، إذ كتب أولى مسرحياته الفلسفية “أهل الكهف” عام 1933، والتي كانت نقلة نوعية في المسرح العربي، من حيث المضمون الفلسفي والتقنيات الدرامية. واستوحى فيها قصة قرآنية بأسلوب أدبي حديث جذب النخب والجمهور معًا.
لم يتوقف الحكيم عند ذلك، بل قدم على مدى العقود التالية أعمالاً مسرحية أصبحت مرجعًا في الأدب العربي، مثل: “شهرزاد”، “براكسا أو مشكلة الحكم”، “بجماليون”، “سليمان الحكيم”، “الملك أوديب”، “مسرح المجتمع”، و”الأيدي الناعمة”، وهي أعمال جمعت بين الرمز والأسطورة، وبين النقد الاجتماعي والطرح الفلسفي.
روائي متعدد الأبعاد.. وفكر لا ينضب
لم يكن المسرح وحده هو مجال تألق توفيق الحكيم، فقد كتب روايات عميقة من حيث الفكرة والأسلوب، لعل أبرزها “عودة الروح”، والتي رآها كثيرون – بمن فيهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر – مصدر إلهام قومي، لما حملته من رموز مستوحاة من حضارة مصر القديمة، وروح النهضة الوطنية.
ومن أعماله الروائية أيضًا: “يوميات نائب في الأرياف”، “عصفور من الشرق”، “أشعب”، “راقصة المعبد”، “حمار الحكيم”، و”الرباط المقدس”، بالإضافة إلى مساهمته في الرواية الرمزية القصيرة والمقالة الأدبية. وشارك طه حسين في تأليف “القصر المسحور”، لتكون مثالًا على التآلف بين رمزين كبيرين من رموز الثقافة المصرية.
أما في عالم القصة القصيرة، فقد ترك الحكيم بصمته أيضًا عبر مجموعات مثل: “عهد الشيطان”، “سلطان الظلام”، “عدالة وفن”، “أرني الله”، و”ليلة الزفاف”، وكلها حملت أسلوبه الساخر العميق، القائم على المفارقة والفكرة.
جوائز وتكريمات.. ومسيرة لا تنسى
نال توفيق الحكيم خلال مشواره العديد من الجوائز والأوسمة، تقديرًا لإسهاماته الأدبية والفكرية، أبرزها قلادة الجمهورية التي منحه إياها الرئيس جمال عبد الناصر، خصوصًا عن عمله “عودة الروح”، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية تكريمًا لريادته في الدراما والأدب، وحرصه على تناول قضايا المجتمع والفكر القومي، وسعيه المستمر لمواجهة الفساد والظلم.
“عدو المرأة”.. التهمة التي لازمته
ورغم مكانته الكبيرة، أثار توفيق الحكيم الكثير من الجدل، لا سيما بسبب مواقفه من المرأة، التي فُسرت أحيانًا على أنها نظرة دونية أو عدائية. وقد لُقب بسببها بـ”عدو المرأة”، وهي تهمة أرجعها البعض إلى طبيعة كتاباته التي غالبًا ما صوّرت المرأة في قالب نمطي، بينما رأى البعض الآخر أنها كانت مجرد سخرية فلسفية من الأدوار الاجتماعية لا أكثر.
رحيله.. غياب الجسد وبقاء الفكر
في 26 يوليو 1987، أسدل الستار على حياة توفيق الحكيم، بعد أن ملأ الساحة الثقافية ضجيجًا فكريًا وإبداعيًا لأكثر من نصف قرن. وبرحيله، فقدت مصر قامة أدبية قلّ أن يجود الزمان بمثلها، لكن بقيت أعماله شاهدة على عبقريته، وعلى زمن كان فيه المسرح والأدب نبضًا حقيقيًا للمجتمع.




