
دينا زكريا
في قلب صعيد مصر، حيث يختلط التاريخ بالأسطورة، وتقف الآثار كشواهد ناطقة على حضارة ضاربة في جذور الزمان، تقع واحدة من أقدم المنشآت الجنائزية التي شيدها المصري القديم لتأبين ملوكهم وتخليد طقوسهم حيث يختلط التاريخ بالأسطورة، وتقف الآثار كشواهد ناطقة على حضارة ضاربة في جذور الزمان، تقع واحدة من أقدم المنشآت الجنائزية التي شيدها المصري القديم لتأبين ملوكهم وتخليد طقوسهم: “شونة الزبيب”، هذا الاسم الغريب الذي لا يعكس بحروفه المتواضعة عمق القيمة الأثرية والتاريخية لذلك الموقع الفريد الكائن في منطقة أبيدوس بمحافظة سوهاج.
منذ ما يقرب من خمسة آلاف عام، وتحديدًا في نهاية عصر الأسرة الثانية حوالي 2700 قبل الميلاد، أمر الملك “خع سخموي”، آخر ملوك تلك الأسرة، بتشييد صرح ضخم يُعتقد أنه كان جزءًا من منظومة جنائزية معقدة تُجسد المعتقدات الدينية في فجر الدولة المصرية. وبالرغم من بساطة مواد البناء — الطوب اللبن المُدعّم — فإن ضخامة التصميم وفرادته يكشفان عن وعي مبكر لدى المصري القديم بأهمية الرمزية المعمارية في التعبير عن السلطة والحياة بعد الموت.
هيكل معماري يُحاكي القصور الملكية
تقف “شونة الزبيب” كهيكل مستطيل ضخم ذو جدران مزدوجة، صُممت بأسلوب يحاكي واجهات القصور الملكية، وهو ما يُفهم منه أن الموقع لم يكن مجرد مخزن جنائزي، بل كان “واجهة أبدية” للملك المتوفى، تمثل مملكته في الحياة الأخرى. الجدار الخارجي للموقع يبلغ طوله نحو 137 مترًا وعرضه 77 مترًا، ويرتفع إلى ما يقارب 12 مترًا، فيما يحيط به جدار داخلي أصغر (123×56 مترًا) بارتفاع يبلغ 8 أمتار.
وما يلفت الانتباه أن التصميم العام يشبه “صندوق الأحذية” الضخم، بتشابك الجدارين بطريقة هندسية تُعطي إحساسًا بالتحصين والعظمة، في حين صُممت الواجهة الخارجية بأفاريز ونقوش تحاكي ملامح المعمار الملكي في تلك الفترة.
مدخلان غامضان وبوابات مفقودة
يضم الموقع مدخلين رئيسيين: أحدهما في الزاوية الشرقية، والآخر في الزاوية الشمالية، وكلاهما كان يُفضي إلى ساحة داخلية واسعة. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذه المداخل كانت تحتوي على أبواب حجرية ضخمة، إلا أن المواد التي صُنعت منها هذه البوابات لم تُحدد بعد بسبب غياب الدلائل المادية الكافية.
ويثير هذا الغموض التساؤلات حول طبيعة الدور الجنائزي للموقع، فهل كان مخصصًا للطقوس فحسب؟ أم أنه كان يضم منشآت خشبية أو طينية طمستها عوامل الزمن؟ الأسئلة تبقى مفتوحة أمام علماء المصريات والمستكشفين.
ساحة داخلية بلا معبد ولا ضريح
المثير للاهتمام أن المساحة الداخلية لشونة الزبيب، رغم ضخامتها، تخلو من أي منشآت جنائزية ضخمة كالمعابد أو الأضرحة، وهو ما أثار جدلًا واسعًا بين الباحثين. وفي عام 1988، أجرى عالم المصريات الأسترالي “ديفيد أوكونور” حفريات دقيقة أسفرت عن اكتشاف مثير: مربع مسطح مغطى بطبقة من الطوب اللبن في قلب الساحة، دون أن يُعرف الغرض الحقيقي منه حتى اليوم.
وبالقرب من الزاوية الجنوبية الشرقية من الموقع، كشفت التنقيبات عن بقايا مبنى ديني صغير يُعتقد أنه كنيسة شُيدت في فترة لاحقة باستخدام نفس مادة البناء — الطوب اللبن المُدعّم — مما يشير إلى أن المكان ظل محتفظًا بأهميته الروحية والدينية لقرون طويلة بعد انتهاء عصر الأسرات.
شونة الزبيب.. بين الطقوس والرمزية
تُعد شونة الزبيب بمثابة “النموذج الأولي” لما سيعرف لاحقًا بالمعابد الجنائزية الملكية، خاصة تلك التي ظهرت في الدولة القديمة في أهرامات الجيزة وسقارة. ومن خلال دراسة الموقع، يظهر أن المصريين القدماء قد طوروا تدريجيًا مفاهيمهم حول “ما بعد الموت”، إذ لم يكن القبر مجرد مكان لدفن الجسد، بل كان “بيئة رمزية” تمثل حياة الملك الأبدية وسلطته في العالم الآخر.
الموقع أيضًا يمثل جزءًا من منظومة دينية وجنائزية متكاملة في أبيدوس، تلك المدينة التي كانت تُعد “القدس المصرية” في العصور القديمة، ومركز عبادة الإله أوزير — رب العالم الآخر — حيث كان الملوك يسعون لتأكيد صلتهم به عبر طقوس ومبانٍ واحتفالات جنائزية معقدة.
أهمية أثرية وبحثية مستمرة
اليوم، تُعد شونة الزبيب نقطة جذب للباحثين والمؤرخين والمهتمين بدراسة بدايات الدولة المصرية، كما تمثل محطة مهمة لفهم كيف تطورت العمارة الجنائزية من شكلها الرمزي إلى الشكل الضخم الذي نعرفه في معابد الكرنك ووادي الملوك.
ورغم مرور آلاف السنين، لا تزال شونة الزبيب تحتفظ بجزء كبير من هيبتها وصمتها الغامض، شاهدةً على عبقرية المصري القديم الذي لم يرَ الموت نهاية، بل بوابة لعالم أبدي لا يُفتح إلا عبر طقوس دقيقة، وجدران عالية، وأسرار لا تزال تُكتشف قطعةً قطعة.






