
كتبت / دينا زكريا
في زمنٍ تتغير فيه الملامح بسرعة، وتُختبر فيه النوايا في المواقف الصعبة، أصبحت العلاقات الإنسانية أشبه بمعادن تُصهر في نار التجارب، فلا ينجو منها إلا الصادقون حقًا. اليوم، باتت النصيحة الأهم في الحياة البسيطة والمعقدة في آن واحد: “إمسك بس في الناس اللي ماسكة فيك” — تلك الجملة التي تحمل في طياتها كل الحكمة، وتلخص دروس العمر في كلمات قليلة.
القيمة الحقيقية في من يراك حقًا
ليست العلاقات بكثرة المعارف أو بعدد من يملأون قوائم الأصدقاء، بل في القلة التي تعرف قيمتك حقًا. في أولئك الذين يقدّرون وجودك في حياتهم، ويشعرون أن غيابك يترك فراغًا لا يُملأ. هؤلاء هم الذين لا يبدّلونك بسهولة، ولا يتركونك عند أول خلاف، لأنهم يعلمون أن وجودك في حياتهم ليس أمرًا عابرًا بل نعمة لا تُعوّض.
القيمة لا تُقاس بما يقولونه لك، بل بما يفعلونه من أجلك. فالكلمات سهلة، أما الفعل فهو الحقيقة التي لا يمكن تزويرها. هناك من يملأ أذنيك بوعود الدعم، لكن وقت الحاجة، لا تجد سوى الصدى. وهناك من لا يتحدث كثيرًا، لكنه حاضر دائمًا، يمد يده دون طلب، ويقف بجوارك في صمت، فقط لأنك تعني له الكثير.
الأفعال لا الأقوال
الناس الذين يحبونك بصدق لا يحتاجون إلى إعلان حبهم كل يوم، لأنك تراه في نظراتهم، في مواقفهم، في تصرفاتهم الصغيرة قبل الكبيرة. هؤلاء الذين يظهرون وقت ضعفك لا وقت قوتك، والذين يختارون البقاء بجانبك حين يرحل الجميع، هم من يستحقون التمسك بهم بكل ما فيك من مشاعر وامتنان.
كم من مرة سمعت وعودًا من نوع “إحنا ضهرك وسندك“، لتكتشف حين تميل الأيام أنك كنت وحدك، تسند نفسك بنفسك، وأن الضهر الذي اعتمدت عليه لم يكن سوى هواء! التجارب وحدها تُعلّمك أن لا تصدّق الكلمات، بل تنتظر المواقف، لأنها وحدها تكشف من يحبك لأنك موجود، ومن يحبك لما تقدّمه فقط.
من يزعله زعلك… يستحقك
الشخص الذي يزعله زعلك، ولا يستطيع النوم وهو يعلم أنك متألم، هو الإنسان الذي يجب أن تتمسك به. لأن الحساسية تجاه مشاعرك ليست ضعفًا، بل قمة القوة الإنسانية. من يهتم بك بهذه الدرجة يرى فيك جزءًا من نفسه، فلا يرضى أن تتأذى، ولا يرتاح حتى يُصلح ما انكسر بينكما.
الحب الحقيقي لا يظهر في اللحظات السعيدة، بل في الأوقات الصعبة. حين تتعقد الأمور، وتختبر العلاقة مدى عمقها، ستكتشف أن بعض الأشخاص يهربون عند أول اختبار، بينما البعض الآخر يظل ثابتًا، يقاتل لأجلك لا ضدك، لأنهم يعتبرون مشاكلك شأنًا يخصهم، لا عبئًا عليهم.
الجدعنة عملة نادرة
في هذا الزمن، أصبح الوفاء والجدعنة من العملات النادرة. كم من مرة وقفت بجانب أحدهم في ضعفه، ثم لم تجده وقت ضعفك؟ كم مرة منحت الثقة والاهتمام والدعم، ولم تجد في المقابل إلا اللامبالاة؟
ورغم ذلك، لا تندم على ما قدمته، لأنك لم تخسر حين كنت وفيًا، بل هم من خسروا حين لم يقدّروا من كنت أنت.
لكنك في المقابل، حين تجد من يقدّر تعبك ووقفتك، من يتذكّر مواقفك الجميلة، من يعترف بما فعلت لأجله، فإمسك فيه جيدًا، لأنه أصبح عملة لا تُقدّر بثمن.
ابحث عن من يسعدك حقًا
ابحث عن الناس الذين يسعون لسعادتك بصدق، الذين يبتسمون حين يروك تبتسم، ويشعرون أنك بخير حين يسمعون صوتك مطمئنًا.
الذين يبذلون مجهودًا، مهما كان بسيطًا، فقط ليُضيئوا يومك ويخففوا عنك تعبك. هؤلاء لا يطلبون مقابلًا، ولا ينتظرون مديحًا، لأن محبتهم خالصة، وأفعالهم نابعة من القلب.
أغلق دائرتك على الصادقين فقط
وفي النهاية، إن وجدت شخصًا واحدًا فقط بهذه الصفات، لا تتركه.
أغلق دائرتك عليه، واجعل الآخرين على مسافة. ليس من باب الغرور، بل من باب السلام النفسي.
عامل الباقين بذوق، وودّعهم من بعيد بابتسامة احترام، لكن لا تسمح لهم بعبور حدود راحتك مرة أخرى.
فالحياة قصيرة جدًا لتُضيعها على علاقات رمادية، أو على أشخاص لا يعرفون قيمتك إلا بعد أن تفقدهم.
إمسك بس في الناس اللي تستحقك… لأنهم ببساطة، كنز العمر الحقيقي، وسند الأيام الصعبة.





