
كتبت / دينا زكريا
في زوايا النفس، لا أحد يخرج من التجارب كما دخلها. كل من “اتلسع” من شيءٍ ما، يحمل أثر النار في داخله، مهما حاول أن يخفي الندبة. البعض يُتقن الضحك، والبعض الآخر يُتقن الهروب، لكنّ الحقيقة الوحيدة هي أن كل جرحٍ يترك أثرًا يُغيّر طريقة تعاملنا مع العالم، ومع من نُحب، ومع أنفسنا قبل كل شيء.
اللي اتلسع من الرفض، ما بيبقاش زي الأول.
يتعلّم يحطّ مسافة أمان بينه وبين أي محاولة جديدة، يخاف من الاندفاع، يخاف من التعلق، يخاف حتى من كلمة “بحبك” لو ما كانش متأكد إنها صادقة. يبدأ يفكّر ألف مرة قبل ما يفتح باب قلبه من جديد، لأن الخوف من الرفض مش مجرد خوف، ده وجع كرامة وكسرة قلب بيحاول يخبيها بابتسامة متصنعة.
أما اللي اتلسع من الوحدة، فهو يعيش في صراع دائم بين الرغبة في البقاء والسلام، وبين الخوف من العودة إلى الفراغ.
يكون عارف إن العلاقة مؤذية، عارف إن الطرف التاني بيستهلكه نفسيًا، ومع ذلك يفضل موجود، مش حبًا، لكن خوفًا من العزلة. لأن الوحدة وجع ملوش دواء، تخلّي الإنسان يقبل بالقليل، ويبرّر لنفسه الخطأ، ويُقنع نفسه إن “أهون من البُعد”.
واللي اتلسع من الخيانة؟
ده أكثر الناس حذرًا، وأكثرهم شكًّا، وأقلّهم ثقة في الطيبة.
مش لأنه ظالم، لكن لأنه اتعلّم بالطريقة القاسية إن النوايا مش دايمًا بريئة، وإن الوجه الطيب ممكن يخبي قلب غادر.
الخيانة تغيّر نظرة الإنسان للعالم، تخليه يشوف في الطيبة ضعف، وفي الحنية فخ، وفي الثقة مخاطرة لا تُحتمل.
أما اللي اتلسع من الإهمال، فده يعيش في حالة “ترضية دائمة”.
يبذل مجهود مضاعف عشان يفضل محبوب، يعتذر حتى لو مش غلطان، يسكت عشان مايتسابش، ويقدّم نفسه على طبق من التنازلات خوفًا من التكرار.
هو لا يحب الإهانة، لكنه يخشاها، لأن طعم الإهمال موجع أكتر من أي خلاف.
واللي اتلسع من الوجع، يبقى أستاذ في التمثيل.
يضحك كتير، يهزر، يبقى خفيف الظل في كل مكان، لكن داخله عالم كامل من الحزن المؤجل.
الضحك هنا مش سعادة، ده وسيلة دفاعية ضد الأسئلة، ضد الشفقة، ضد الانهيار.
يضحك عشان ما يبانش مكسور، عشان الناس تقول “عدّى خلاص”، بينما الحقيقة إن اللي جواه لسه بينزف في صمت.
أما اللي اتلسع من الحب… فده حكاية تانية.
ده اللي بيقول “أنا مش عايز حب تاني”، لكن جواه طفل صغير بيحلم بحد يطبطب على الجرح بدل ما يفتحه.
هو لا يكره الحب، هو بس خايف منه. خايف من تكرار الخذلان، من الوعود اللي ما اتنفذتش، من الحلم اللي اتكسر في لحظة.
ومع ذلك، بين كل “مش عايز”، بيكون فيه “يمكن المرة الجاية تبقى مختلفة”.
في النهاية، كل واحد فينا اتلسع من حاجة…
من كلمة وجعته، من موقف كسّره، من حب خلّاه يشك في نفسه. لكن اللدغة اللي ما تموتناش، بتعلّمنا.
اللي اتلسع من الرفض، يتعلم يقبل نفسه.
اللي اتلسع من الوحدة، يتعلم يختار وجوده قبل أي علاقة.
اللي اتلسع من الخيانة، يتعلم يميّز بين الصادق والممثل.
اللي اتلسع من الإهمال، يتعلم إن الاهتمام ما يُتسوّلش.
اللي اتلسع من الوجع، يتعلم يضحك من القلب مش للتمويه.
واللي اتلسع من الحب، يعرف في النهاية إن العلاج مش في الهروب من الحب، لكن في اختيار حبّ حقيقي، ناضج، ما يوجّعش، ما يكسّرش، ما يلسعش.
فالقلب مهما اتلسع، ما بيبطّلش يحلم.
يمكن النار علمته الحذر، بس لسه بيدور على دفء ما يلسعش… دفء يطبطب على الحرق، مش يزيده.





