
حينما يخرج النتن ، رئيس وزراء الكيا.ن ، ليقول أمام الناس إنه “يخوض حربًا متواصلة منذ 3500 سنة”، فهو لا ينطق من فراغ، ولا يتحدث بخطاب سياسي عابر. بل يستحضر مخزونًا تو..راتيًا/صهي.ونيًا متجذّرًا في العقلية الدينية والسياسية لليهو..د المتطرفين، ويعيد تدوير الأساطير القديمة التي شكّلت وعي الحركة الصه.يونية منذ نشأتها.
ففي المخيال التوراتي، تُختزل فلسطين في صورة “أرض الميعاد”، الأرض التي وُعد بها نسل إبراهيم، والتي لا بد – حسب زعمهم – أن تُستعاد بحد السيف، ولو على جثث أصحابها الأصليين. ولهذا فإن نتنياهو حين يتحدث عن “3500 سنة”، فهو يربط الحاضر بالماضي المزعوم: بعهد موسى عليه السلام ومن بعده يشوع بن نون، حينما دخل بنو إسر١*ئيل أرض كنعان، وشنّوا ما يسمونه “الحروب المقدسة” ضد الشعوب التي كانت تسكن هذه الأرض: الكنعانيون، العمونيون، اليبوسيون، الفلستيون، وسواهم من شعوب المنطقة.
في نصوصهم المقدسة – سفر يشوع، سفر القضاة، سفر صموئيل – تتكرر مشاهد الدم والذ.بح والخراب، حيث يأمر الرب – حسب زعمهم – بقتل الرجال والنساء والأطفال والبهائم، وإبادة مدن بأكملها، كي تُطهّر الأرض ويُزال “الدنس” عن أرض الميعاد. وهذه الروايات التوراتية ليست مجرد نصوص دينية، بل صارت في الفكر الص.هيو.ني المعاصر مشروعًا سياسيًا كاملاً: مشروع تحويل ف.لسطين إلى ساحة حرب أبدية تُخاض باسم الرب، وتُشرعن فيها المجازر باعتبارها طقسًا مقدسًا.
من هنا نفهم أنّ نتنياهو لا يتحدث عن صراع سياسي محدود ، بل يقدّم نفسه كامتداد لتلك الشخصيات التوراتية. إنه يريد أن يظهر أمام جمهوره وكأنه “يشوع العصر الحديث”، القائد الذي أُوكل إليه الرب مهمة “استعادة الأرض الموعودة”، وأن حربه ضد الفلسطينيين والمسلمين ليست حربًا استعمارية عادية، بل “مهمة إلهية” مستمرة منذ آلاف السنين. إنّه يلبس ثوب النبي ليغطي جرائم الاحتلال، ويحوّل الدماء البريئة إلى قرابين على مذبح أسطورته.
لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في خطابه وحده، بل في تحالفه مع تيارات مسيحية متطرفة، هي المسيحية الإنجيلية الأمريكية، التي تتبنى نفس الرؤية: أن عودة اليهود إلى فلسطين شرط لنزول “المسيح المخلص” وبداية معركة “هرمجدون”. و سفك دماء المسلمين قربانا لهذا الحديث ، ولذا نجد أن الدعم الأمريكي للكيان ليس مجرد سياسة، بل هو جزء من عقيدة دينية إنجيلية-صه.يونية تترجم على الأرض بصفقات سلاح وتمويل وحروب لا تنتهي.
والأشد مرارة أنّ هذا الخطاب التو.راتي/الإنجيلي الذي يبرر الإبادة، لم يلقى صداه عند الحكام العرب، الذين بدل أن يواجهوا المشروع الصهيوني، انقلبوا على الإسلام ذاته. صاروا يجهدون أنفسهم في حرب ما يسمونه التراث ، وتفريغ الشريعة من مضمونها، وتسويق “تجديد” على مقاس واشنطن وتل أبيب. نراهم يهاجمون أحكام الشريعة، يسخرون من حدود الله، ويعملون على صياغة دين جديد منزوع الروح، دينٍ لا جهاد فيه ولا مقاومة ولا ولاء ولا براء. دينٍ يتماشى مع الرؤية الإنجيلية الص.هيو نية الأمريكية، حيث تتحول فلسطين إلى “قدر إلهي” لا يجوز معارضته، وتصبح “إسرائيل” حليفًا طبيعيًا باسم الحداثة والسلام.
هكذا يُراد للمسلمين أن يُسلخوا من تاريخهم، وتُغتال ذاكرتهم، ويُعاد تشكيل وعيهم بما يتوافق مع مشروع توراتي-إنجيلي ليسهل ذ. بحهم . بينما العدو يرفع التور.اة ليبرر مذابحه، ويرفع الصليب ليشرعن حربه القادمة، يرفع حكامنا شعارات “العلمانية و اللادينية ” ليهدموا حصون الأمة من الداخل، ويفتحوا الأبواب أمام العدو ليستكمل مشروعه.
إنّ خطاب النتن ليس مجرد وهم تاريخي، بل هو إعلان حرب مفتوحة، وصياغة دينية لاحتلال سياسي. وإنّ تواطؤ بعض حكام العرب معه ليس مجرد خيانة سياسية، بل خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، وخيانة للتاريخ وللشعوب وللشهداء.
وبينما ينادي نتنياهو بـ”3500 سنة حربًا”، فإننا أمام مشهد يتكرّر منذ الحملات الصليبية: عدو يرفع راية الدين ليبرر غزوه، يهو…د صها..ينة و صليبيين غربيين في مواجة علمانيين عرب بلا دين ، و أترك لك أن تخمن من سينتصر .
النقابية:: أمل احمد ابراهيم السيد





